من طالب هندسة سافر إلى الخارج ليصبح مهندسًا، إلى مخرج استطاع أن يعيد رؤية فكرة النجاح والفشل وبلورتها، وأن يصنع أفلامًا لا تحاكي الأحلام الوردية، أو تزين قبح الواقع وتظهر من يسبهُ بصورة المتخاذل الكسلان، بل صنع أفلامهُ عنا نُحن الفاشلين، فكما كتب في افتتاحية فيلمه «سوبر ماركت» إهداء استطاع به أن يسخر من الناجحين بشكلهم التقليدي الخالي من الروح والحياة؛ حيث الثراء المتوارث، «تحية من أحد الفاشلين إلى كل الناجحين»، ربما يجدها البعض مجرد محاولة من أحد الحَالمين في وقت نفذت فيه الأحلام حيث الواقع المتوحش الذي يفتك بالحَالمين وبالأحلام في آن واحد.

لكن من المؤكد أن هذا لم يكن المقصود منها حين قام المبدع محمد خان بكتابتها إهداءً يصلح بها وصف حياتنا في الإجمال، حيث حياة الفاشلين الذين نسوا معنى الحياة، وتعطلت مراكب سيرهم، وربما نست عقارب ساعتهم كيفية الدوران.

استطاع خان أن يعيد كتابة معنى جديد، ومفهوم مغاير لما هو سائد وعتيق حول ماهية الفشل والنجاح، ليخبرنا عن النجاح الحقيقي ورؤيته من زاوية مبدع بحق.

عرف الفرق الدقيق بين الناجح والفاشل، تلك الشعرة الدقيقة التي تفصل بين العالمين مختلفين كل الاختلاف، حيث الناجحون الجالسون على الكراسي الأمامية المرتدون البدلات الأنيقة المدخنون السيجار، المنتفعون بكل شيء قليلو الصبر، بينما الأكثرية والتي تمثلني تجلس في الخلف، يصيبها الربو من أثر دخان السيجار المتطاير حولنا.

كان يعرف مكان الجالسين في الخلف، الذين لا يعلمون ماذا يدور على خشبة المسرح وفي الكواليس، كانت أفلامه تمثل بطلنا الشعبي مثل فارس في فيلم الحريف الذي يرتدي الجينز والتيشرت ويدخن سجائر مصرية الصنع وفيرة الأخشاب قليلة التبغ وعديمة النكهة.

نسج أفلامه ورسم خطوطه بربط عوالم متباعدة بجعلهم عالمًا واحدًا عالم خان، وصنع إبداعه عن الفاشلين أمثالي وأمثال الكُثر مِن مَن تعج بهم المحروسة قاهرة الأعداء والأحلام، استطاع أن يشير إلينا ويصيح أننا موجودون على هذه الأرض أيضًا، وما زلنا نستطيع أن نحيا.

فيلم أحلام هند وكاميليا

في فيلمه أحلام هند وكاميليا، الذي في رأيي يعج بالفاشلين المتمسكين بالحياة رغم قسوتها وذُلها لهم، نجد رؤيته تتجلى وتزداد وضوحًا، اعتمد في بناء فيلمهُ على شخصيات شديدة الاتصال بأرض الواقع وتمتلك الوصمة الاجتماعية بكونهم فاشلين.

عيد الشخصية التي أداها الفنان «أحمد زكي» قريبة جدًا منا، ونحتك بها يوميًا حتى يمكن أن نجدها تتمثل في أحد المقربين منا.

إنه أحد هؤلاء التعساء الذين يحاولون بشتى الطرق الوصول إلى مبتغاه ويمتلك عيد فلسفته الخاصة «بُكرة تروق وتحلى»، ورغم كل المصاعب والمشقة استطاع أن يصنع لنفسه نجاحًا حتى وإن كان مؤقتًا.

ونجد أيضًا عنصر كاميليا الشخصية الرئيسة ومحور الأحداث الحقيقي، نجد التجسد الحقيقي لرؤيته في الفرق بين النجاح والفشل، كاميليا التي تتزوج لترحل من بيت أخيها التي أصبحت عاله عليهِ، ثم تترك بيت زوجها لبخلهُ، لا تبكي وتجلس تنتظر العطف وتردد جملة «ضل راجل ولا ضل حيطة»، أو تظل مقهورة لأنها لا تجد ما يسد رمقها. بل نجدها تبحث عن نفسها وتصارع لتحيا، ربما كانت كاميليا لا تستطيع أن تصبح أمًا، لم تكف طوال الفيلم في أداء دورها كأم في رعاية هند وأحلام حتى أولاد أخيها، ولا تنسى حلمها، ربما الحياة قاسية موجعة سريعة السير والأحداث، لكنها تتذكر وتظل تبحث عن حلمها، حتى تصل إليه في نهاية الفيلم، وترى البحر غير مهتمة بسرقتها أو بأي شيء آخر. كأن الوصول لمبتغاها هو ما يحركها، وحين ظفرت به بصقت على زوجها وعلى أخيها وعلى زوجته، استطاعت أن تبصق على الجميع وأن تسير إلى حلمها حتى لو كان رؤية البحر.

فيلم خرج ولم يعد

فيلم خرج ولم يعد يمكن تلخيصه ليس في الفشل أو النجاح، لكنه احتوى على الكثير من الأسئلة المُلحة التي تشكل صراع العصر بين الطفرة التكنولوجية والمناداة بالعودة إلى الطبيعة الأم مثل فيلم «into the wide» والسؤال والشعور المسيطر علينا لماذا نحن هنا؟ ماذا نفعل؟ ولماذا نحن محصورون بين تلك الكُتل الإسمنتية وما هذا الزحام الذي ننسى أنفسنا بداخله وكأنه غول يبتلعنا.

عندما ننفرد بأنفسنا تأتي تلك الأسئلة التي تنخر عقلنا ذهابًا وايابًا حول النجاح والفشل والسعادة، وعن أنفسنا قبل كل شيء، والبحث عن معنى للحياة، هناك الكثير من الروايات والأفلام التي سألت الأسئلة نفسها لكنها بلغة مختلفة ليست لغتنا، لكن خان استطاع أن يسأل المشاهد المصري الذي يصنع أفلامه من أجله.

استطاع خان أن يبعث رسالته في هدوء وأن يسحب البساط من تحت أرجل الجميع ليوقعهم في شباك أسئلته، ويجعل هناك رابطًا بينه وبين المشاهد حيث يشركه كطرف ضمن معادلة الفيلم، ثم يتركهُ يتساءل عن معنى الحياة بشكل أعمق، ويكمل أسئلته في شخصية كمال بيك عزيز «فريد شوقي» بحيث يرينا حياة شخص طاف أرجاء الأرض ودرس بالخارج وكان فاحش الثراء، لكن ماذا فعل كمال بيك بعد كل هذا؟ هل استمر في المطالبة بالثراء أكثر؟ أم أنه عرف سر السعادة الذي يخبرنا به بكل بساطة، هو الاستمتاع باللحظات وهدوء الحياة، ربما كانت لذة الأكل هي المسيطرة عليه، لكنه على كل حال عرف الإجابة التي تُحيرنا بخصوص السعادة.

يسأل أيضًا عن الجسد الذي أصبح كهلًا في شبابه من فرط الالتزامات الزائفة، والروح التي صارت إنارتها باهتة اللون هزيلة يسهل ببساطة أن يطفئها أي نقد أو انكسار.

يصور رحلة عطية «يحيى الفخراني» ابن الطبقة الوسطى، الموظف المختنق الذي لا يجد معنى لحياته، يحاول أن يدور في دائرة من يعرفهم المغلقة نفسها، من الدراسة ثم العمل ثم يأتي وقت الزواج ومتطلباته فلا يجد معه ما يسنده ليبدأ رحلته في بيع قطعة أرضه، فيعيد اكتشاف نفسه، نجد خوفه من التجربة في البداية وتأففهُ من البقاء في الأرياف ثم رويدًا رويدًا تتضح أمامه الرؤية ويعرف ماذا يريد.

فيلم الحريف

في رائعة خان وبشير الديك يأتي الإبداع بحق، تطل علينا شخصية خان المفضلة «فارس» ليكمل خطوط خان في رسم شخصياته وإبقائهم أحياء، يغزل لنا خان ببراعة علاقة ورابطـًا خفيًا يجعلنا نتوحد مع أبطاله.

شخصية فارس الذي يتعامل مع الحياة باللامبالاة وبمنطق اللعبة يوم لك ويوم عليك، لا يوجد رابح دائمًا أو خاسر دائمًا، الحياة لعبة، ولذلك لا بد لنا من المضي قدمًا واستكمال المراهنة، ليس على شيء محدد أكثر من نفسك والإيمان بالقليل من الحظ.

لم يخل الحريف من أسئلة والشهيق والزفير والجري صوب هدفه، هكذا نجد فارس في أغلب الأحيان فاشلًا خاسرًا، فشل في أن يصير لاعبًا حين قام بضرب المدرب، فشل في حياته الأسرية؛ حيث آل الأمر به إلى الانفصال، سلسله من الهزائم تنم على فشل وضبابية في الرؤية.

ثم تتوالى المشاهد حين يخبر والده بخبر وفاة والدتهُ، فيجيبه «ما كلنا هنموت يا فارس، معاك سجاير»، بشكل شبه تقليدي إنها سُنَة الحياة، سوف نفنى ونؤول إلى العدم عما قريب، ذلك مصيرنا المحتوم فلا مهرب منه.

ومن خلال هذا الإطار للشخصية الرئيسية في الفيلم نجح خان في إظهار وإضافة بعض النماذج التي تعيش في المجتمع في هذه الفترة، ومنها شخصية نجاح الموجي جاره، الذي قام بقتل السيدة العجوز للاستيلاء على أموالها نتيجة الفقر الذي يعاني منه هو وأسرته .

كما أظهر حالة اليأس التي يعاني منها هذا الشخص في حوار صامت، إذ كان يسير مع البطل في الشارع وطلب منهم أحد المارة أن يساعدوه في دفع السيارة المتوقفة لتسير.

فبعد أن دفعوا السيارة توقف نجاح الموجي وأخذ يجهش بالبكاء، وكأنه يكمل أسئلة خان عنا وعن الحياة ويخبرنا أننا دومًا نحتاج إلى دفعة لنحيا، الآن هو أعطاها لشخص ما، لكن من الذي سوف يقوم بمساعدته ودفعه هو شخصيًا !

ثم تستمر مسيرة الحريف حتى يجد نفسه يحقق ما يريد، يعمل ويصلح زوجه ثم يفوز في هوايته وملخص حياته الكرة الشراب بأربعة أهداف، في حين كانت تتردد جملة «الحريف خلاص راحت عليه».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

إخراج, سنيما, فن
عرض التعليقات
تحميل المزيد