تعريف الإلحاد وأهم مشكلتين فيه

يعرف الإلحاد على أنه عدم الإيمان أو الاعتقاد بوجود إله، فهذا التعريف الشامل والأوسع للإلحاد ويمكن إعتبار أن الموجات الإلحادية بدأت بالظهور بشكل معلن وكثيف بعد حادثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001 فهذا ريتشارد دوكينز داعية الإلحاد يقول: يتساءل الكثيرون كيف غيرتك أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ إليكم كيف غيرتني: لنتوقف جميعًا عن هذا التصنع المقيت في إبداء الاحترام. وكان يقصد بكلامه الأديان، وقد قال هذا في محاضرة له بعنوان ميليشيات الإلحاد في TED.

1- الإلحاد وإنكار الخالق

إن الفكر الإلحادي رغم بزوغه، إلا أنه يعاني من الكثير من العلل والمشاكل الخاطئة والمعاكسة ليس للأديان فقط، بل للعقل البشري والفطرة الإنسانية السوية، فمن الغريب أن تجد من يعتد بهكذا فكر ويؤمن به، وعلى رأس الأفكار الإنحرافية، والتي هي أساس الإلحاد، فكرة إنكار الخالق ويحتجون بأنه ما من دليل عقلي على ذلك، وهذا افتراء واضح وتدليس مُعلن، فالدليل إما أن يكون دليلًا حسيًا مباشرًا (1) وهو كل ما شوهد بالحس مشاهدة مباشرة لا شك فيها، وإما أن يكون الدليل غير مباشر، وقد ذكر الإمام الشنقيطي أن الدلالة لها ستة أنواع (2) ومن هذه الدلائل دلالة غير اللفظ عقلًا (3) كدلالة المصنع على وجود من بناه، ودلالة الهاتف على وجود صانع له، فلا يمكن أن أنكر وجود من صنع الهاتف لأني لم أره؟ فكثير من الأشياء في حياتنا نراها كل يوم، ولا نرى من صنعها، وهنا نذكر قول الأعرابي عندما سئل كيف عرفت الله؟

فقال: البعرة تدل على البعير والأثر يدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، أفلا تدل على العلي الخبير، وإن قُلنا عن كُل أمر إما نراه أو هو غير موجود لأنكرنا الكثير مما أثبته العلم نفسه، كالإلكترون الذي لم يُشاهد رؤيا العين لصغره إلا أنه مثبت على أنه حقيقة علمية وذلك لوجود دلائل غير مباشرة، أدت إلى التسليم بأن الإلكترون لا يمكن إنكاره. (4) وكأن يقول أحدهم: لا وجود للغلاف الجوي للأرض، لأنه لم يَره ومثلُ هذا الكثير الكثير فما ذكرتهُ على سبيل المثال لا الحصر، وإنكار فكرة الخالق بحد ذاتها وإرجاع سبب وجود الكون إلى الصُدفة أو إلى نظريات علمية بحته، يُلغي قيمة الحياة الروحية وكأن الإنسان مثل الجماد لا غاية لوجوده ولا هدف لحياته كما يعرض علينا الدين من مرضاة الله وعبادته قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون 56». سورة الذاريات.

فإلغاء غاية الوجود هو إلغاء لقيمة الوجود، وإلغاء قيمة الوجود يجعلنا نقع في دائرة واسعة من الأسئلة والطروحات، فإذ افترضنا أننا أتينا إلى هذا العالم نتيجة الصدفة أو الأنفجار العظيم، أين الغاية من الوجود؟

سأل أحد الملاحدة سؤالًا؟(5)

أيهما أكثر منطقية ورفعة وعزة للعقل البشري، أن نقول: إننا لا نعلم بعد؟

أم ننسب الأمر إلى وجود ذات لا نعلم عنها شيئا ولا يمكن التأكد من وجودها ونركز على ذلك ونقتل البحث العلمي؟

الادعاء أننا لا نعلم عنها شيئًا في حد ذاته تضليل للعقل البشري، وكأن المُسلمين هم مسلمون دون عقل ولا منطق، أو أن أمة الإسلام كُلها آمنت بالله دون يقين، بل نحن نعلم عن الله جل جلاله ما يكفينا أن نعلم وجوده يقينًا وليس ظنًا، فقد بعث الله رسوله وأنزل آياته وتحدى بها بني آدم وأمرنا بالتفكر بالكون وعظمته قال تعالى: (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ 17 وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ 18 وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ 19 وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ 20. سورة الغاشية

أما للتأكد من وجودها، فالدلائل أكثر من أن تُعد وتحصى، إن بُعد المسافة بين الأرض والشمس 149 مليون و500 ألف كيلو مترًا وهي المسافة المناسبة تمامًا لوجود حياة على كوكب الأرض (6).

فهل لمادة لا تعقل بأن تعلم أنها المسافة المُناسبة؟ فنحن نستدل على الخالق من عظمة خلقه، فهذا عالم الفلك جميس جنزر يقول: إن الكون كله مشروع متقن من تصميم مهندس مبدع عظيم هو الذي وضع له الفكرة ووضع القوانين.(7)

يرى العالم جميس جنزر، أن كُل الكون سائر ضمن قوانين وضِعت من قبل صانع ذكي ومُبدع، ورغم عدم إعتراف جميس بوجود الله، أو القُول إن الله من خلق هذا الكون، فهو غِير مسلم فَضل أن يقول: مُهندس مبدع، وهذا ما سيصل إليه كُل باحث حيادي، فالكون لَه مُسير وهو الله.

2- مشكلة الأخلاق

يقول الملحد دوكينز: العلم الطبيعي ليس لديه طرق للحكم على ما هو أخلاقي، وهذه المسألة متروكة للأفراد والمجتمع (8).

من المشاكل المُصاحبة لمُشكلة الإلحاد، هي الأخلاق وتعريفُها وفرزُها بين حسن وسيء ومن الذي سنلجأ إليه لوضع هذه الأخلاق وتحديدها؟ فالعُقول ليست واحدة وهي متفاوته ولكٌلٍ تفكيرهُ وعقله، فإن أردنا تحديد الأخلاق وغلب علينا ظَالم أو مُتجبر فوضع ما يحلوا له من قوانين، كصاحب نظرية «مبدأ السكان» توماس روبورت مالتوس، والذي كان يرى أنه يجب التخلص من الفقراء والذين لا يُعيلون أنفسهم والمرضى، فهم عِبء على هذا الكوكب، تخيل لو أن مثل هذا أوكل إليه تحديد الأخلاق. لأمرنا بقتل نصف البشر أولًا، وربما يكون المُجتمع كله فاسدًا، وليس فقط أفرادًا معينين، فهذا الرحالة أحمد بن فضلان يصف أحد المجتمعات التي قابلها في رحله قائلًا: ووقفنا في بلد من الأتراك يقال لهم (الباشغرد) فحذرناهم أشد الحذر؛ وذلك أنهم شر الأتراك، وأقذرهم وأشدهم إقدامًا على القتل (9) لو أن مثل هذه المجتمعات أوكل إليها أمر الأخلاق والقيم الأخلاقية لاستهانت في قتل الإنسان.

ولا يَخلو أي مُجتمع على وجه الأرض من الأخطاء والعثرات والمشاكل، فهذه الأفراد والمجتمعات التي أشار إليها دوكينز تختلف باختلاف وجودها في سلسلة التاريخ وطبيعة معيشتها، ولو فرضنا أن كُل مجتمع سيضع قيمه الأخلاقية الخاصة به بعيدًا عن المُجتمعات المُحيطة به، فل نستفيد شيئًا، فلن يحترم أي مُجتمع المقايسس المُجتمعية للآخر وإن فعل، فهي غير مُقدسة وإن اضطر يتعدى عليها بسهولة، فما المانع؟ ما يقوم به الإلحاد هو الإنكار فقط دون تقديم البديل المُناسب والذي نستطيع أن نُسلِم له أنه الصواب، قبل إنكار دوكينز أن العلم الطبيعي غير قادر على تحديد ما هو أخلاقي، وجب عليه عدم رمي الأمر إلى الآخرين، بل تقديم حُلول بدلًا عن زيادة المُشكلة تعقيدًا وهو الذي نعدهُ أيضًا اعترافًا بعجز العلم عن تحديد القيم الأخلاقية، وإذا ما طرحنا زعمهم أن العِلم لا يتعامل إلا مع ما هو مادي، فكيف سَيفسر العلم الأخلاق وهي غير مادية ولا ملموسة ولم يرها أحد؟

دعنا نسلم أن فردًا قام بتحديد القيم الأخلاقية واتفقنا جميعًا على صواب رأيه ولم يعترض أحد، فنحن أمام خيارين: إما الأخذ بكلام هذا الشَخص إلى الأبد وتَقديسه ومنع تحريف ما يقول وإلزام الناس بما يقول، فنكون كمن أنكر الله والأخلاق التي بُعث بها محمد صل الله عليه وسلم، والتي جاءت في القرآن الكريم، ثم أضفى صفة الألوهية إلى بشر، وإما أن نأخذ بكلام هذا الفرد إلى حين أن يطرأ شيء جديد أو لفترة من الزمن، فنكون كمن لم يتفق على شيء وغير ما عرفه على أنه حق وصواب، فهل يكون الحق حقًا اليوم، وباطلًا غدًا ومأخوذًا اليوم ومنبوذًا غدًا؟

المصادر:

1- الفيزياء ووجود الخالق -جعفر شيخ إدريس، صفحة 45

2- آداب البحث والمناظرة -محمد أمين الشنقيطي، صفحة 18

3- آداب البحث والمناظرة- محمد أمين الشنقيطي، صفحة 19

4- الدين في مواجهة العلم – وحيدالدين خان وظفر الاسلام خان وعبد الحليم عويس، صفحة 12

5- مناظرة الملاحدة- د.هيثم طلعت صفحة 14

6- للكون إله- د.صبري الدمرداش، صفحة 71

7- للكون إله- د.صبري الدمرداش، صفحة 611

8- ميليشيا الإلحاد- عبد الله بن صالح العجيري، صفحة 152

9- رسالة ابن فضلان- أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد، صفحة 107- حققها وعلق عليها الدكتور سامي الدهان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد