عن رواية

«عن الطيران والحرية» هي رواية رائعة مليئة بالرمزية، ستدهشك.

بهذه الكلمات ودعني صديقي بولا ناجي، رفيق شغفي الدائم في القراءة، وأفضل من يعيرني أعمالًا جيدة يمكنها كسر حالة السِدة التي تغمرني من وقت لآخر بالنسبة للقراءة والكتابة.

التقطت رواية الكاتب الأمريكي ريتشارد باخ، وقلت إنها التجربة الأولی لي معه، أتمنی أن تكون رواية «النورس جوناثان ليفنجستون» رواية جيدة.

الرواية من نوع الروايات القصيرة مكتوبة بأسلوب بديع نقله بجمال تام المترجم محمد عبد النبي من الإنجليزية إلی العربية. في مائة صفحة فقط مقسمة علی أربعة أجزاء، تحدث ريتشارد باخ عن الحرية وقيمة الحياة، وجمال كسر القيود، وضريبة هذا الكسر، ففي وطن أنت فيه مُكبل بالقوانين التي تجعلك عاجزًا عن إيجاد أي هدف للحياة يقول باخ في أحد مقاطع الرواية: «القانون الصحيح الوحيد هو الذي يؤدي بنا إلی الحرية، دون ذلك لا شيء آخر».

تتحدث الرواية عن التقاليد التي تُقيدنا في مجتمعاتنا منذ يوم ولادتنا حتی موتنا، وعن الأسراب التي نعيش فيها شئنا أم أبينا نُطيع فيها الكبير ونسير علی الصراط الذي رسمهُ أسلافنا في أزمنة قديمة.

ولا أحد يعبأ بما نعانيه نحن من تعب في هذه الطرق التي لا تُناسب زمننا الحالي؛ لأن لكل وقت أحكامه، ولكن في العالم المُكبل لا يمكنك أن تقول هذا، وإذا قلت هذا لن يتغير الأمر، حتی لو ملأ صياحك الأرض، ففي النهاية إما أن تكون نسخة مكررة تبحث عن الطعام والشراب، وتمارس غرائزك مثلك مثل باقي النسخ، وأما سيكون مصيرك مثل مصير جوناثان ليفنجستون بطل الرواية.

تحدثت الرواية عن ضريبة الإقصاء والحرمان من الونس، التي يواجهها أصحاب الأفكار الفريدة والمحاولات الجادة في إيجاد سُبل لكسر التنظيم والتدجين الذي يُمارس عن طريق الأكبر سنًّا في الجماعات، والأسر، والأنظمة الحاكمة، على المحكومين، والذي يواجهه كل فرد منا يحاول إيجاد سبيل للحياة ومغزی خاص بها من منظوره لتكوين فلسفة خاصة، ونمط عيش مريح، وممتع، يمكن عيش الحياة فيه طويلًا دون تمني نهايتها، الحياة التي عرَّفها باخ علی لسان أحد سلاطين نظام طيور النورس علی أنها المجهول بالنسبة للجاهلين، غير الراغبين في ترك أثر أو إيجاد أي معنی أو قيمة للحياة.

«الحياة هي المجهول، وهي ما لا يمكن لنا أن نعرفه، ولكننا نعرف أننا نعيش في هذا العالم لنأكل، لنبقی أحياء بقدر ما أمكننا أن نحيا».

ومن هنا تتبلور فكرة العمل، وتتضح رؤية باخ ونظريته، وقوله علی لسان طائر النورس جوناثان إن المتعة في الحرية، وإن الحياة الحقة تستحق محاولة العيش بشكل أفضل، حتى لو أجبرت علی العيش وحدك، المهم أن تجد الطريقة والطريق الذي يجعلان لكل يوم بحياتك قيمة.

وتنتقل الرواية في أجزائها الأربعة بين إيجاد جوناثان طريقه ومعرفته متعة التحليق كنورس حر، ثم محاولات التعلم أكثر وأكثر للتحكم في ذاته، ثم تعليم المنبوذين من أسرابهم ما تعلمه، ومحاولات نشر المحبة بين الجميع لنشر المعرفة بينهم، ولكن عالم النوارس كعالم البشر، كلما انتفض ليصنع الثورات والحضارات، همد بسبب التراخي والكسل والعجز، ليسيطر علی المجد الذي نصنعه اليوم صبغة الأسطورة الخيالية أو الدينية التي تندثر فيما بعد، ولا يتبقی منها سوی ظلال مشوهة تكتمل بالخرافات.

ولكن باخ ونصه البديع الذي مال لانتصار الحرية علی الخرافة، وإبراز الحقيقة علی وجه الوهم، جعلا الفصل الرابع خير فاصل وخير ختام، لأن النورس جوناثان لم يقبل بدور النورس العظيم الأسطوري، بل إنه قَبِل أن يكون حقيقة موجودة لتعليم الآخرين قيمة الحياة والحب بنفسه، بدلًا من جعلهم يسمعون تمتمات الكهنة في ورع وخشوع دون إيمان حقيقي بقيمة الحرية والتحليق والمحبة في نشر ما تعلمناه.

في النهاية، القراءة عالم بديع، لا تتكاسل عن الدخول إليه كلما شعرت بالغربة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد