منذ فجر انطلاقة الآلة الطابعة وبروز وسائل الإعلام بمختلف تنوعاتها وهي الأداة الأبرز في صناعة وعي الشعوب خاصة، فيما يتعلق في مجال السياسة والفكر، فعادة ما تكون هذه الوسائل موجهة تحت إمرة الأنظمة والأحزاب من مختلف التوجهات وغيرها من الأيدولوجيات المختلفة، لكن مع بروز فجر (السوشال ميديا) أو ما يسمى بمواقع التواصل الاجتماعي أصبح بوسع الفرد أي كان مؤهله العلمي أو موقعه المجتمعي المشاركة في صناعة وعي الناس، ففتحت آفاق واسعة للجميع للإضافة والتعديل والحذف عن أي معلومة كانت ولم يعد هناك شيء اسمه حجر للأفكار والآراء كما في السابق حتى أصبح إخفاء الخبر المثير للجدل بالذات في حكم المستحيل، فربما تغريدة أو صورة أو حتى فيديو بتصوير رديء يعيد نظر الجموع في قضية ما، وقد تقتلع أو تنصب بسبه رؤوس في الأنظمة الحاكمة حسب المواقف أو الفضائح التي يقترفونها، وبات من لا يجيد استخدام هذه الوسائل ممن لديهم تأثير في المجتمعات في حكم المتخلفين عن العالم المتحضر.

لقد سمحت هذه المواقع الاجتماعية بلخبطة الأوراق وساوت بين العالم والجاهل والخاصة والعامة والصغير والكبير فللجميع فرص للظهور وطرح ما لديه من رأي، ومن الناس من ينظر لها نظرة تشاؤمية نظرًا لبعض سلبياتها، لكنها في المقابل أيضًا ساهمت في نشر الوعي؛ إذ إنها ربطت المعلم بالتلميذ والمثقف بالناس والمسؤول بالشعب والفنان بالجمهور فبإمكاننا وصفها بالسلاح ذي الحدين والأمر في الأخير مرهون على المستخدم نفسه على حسب استخدامه لهذه المواقع التي يرتادها ملايين من البشر ومسألة الإعراض عنها أو تحريمها يعتبر عودة إلى الخلف وعزله عن العالم الذي يستفيد من خبرات وتجارب بعضه البعض بواسطتها والانغلاق حول الذات وعدم الانفتاح على الآخر يعود بنا إلى الخلف إذًا فلا مناص من الولوج في هذا العالم الواسع الذي بات من أبرز أدوات التواصل والتأثير على المجتمعات في الوقت الراهن.

أصبحت معركة الوعي العربي على مرأى ومسمع في العالم، فالجميع يدلي بدلوه من كافة الفئات والتوجهات الفكرية في عالم مفتوح مليء بالتناقضات وطفحت على السطح قضايا كانت من المحرمات طرحها في السابق، خصوصًا العقائدية منها، فقد كانت النقاشات قديمًا تكون بين الخواص حتى لا يفتن بها العوام، أما الآن فتوقع من طفل صغير يرتاد هذه المواقع بأن يناقشك في مسائل لم تخطر ببالك وربما لم تخطر ببال أبناء جيلك كاملًا! وعادة ما تساهم النقاشات الحادة والمحتدمة في تأجيج الضغائن ونشر الكراهية بفعل الجدل البيزنطي غير المنتهي حتى أننا أحيانًا نجد أنفسنا نتصارع على قضايا عفا عليها الزمان، ولا حاجة لنا بالعودة للوراء في عالم يسير بسرعة الضوء إلى الأمام، أما الآن فتعرض هذه القضايا، وبطرق مستفزة في العادة، وقد تزلزل إيمان البعض وتجعله يشك، فيما يعتقده، لذا نجد بعضهم من سخر وقته وجهده في التصدي لهذه الأفكار، والرد عليها بغرض التوعية ومقارعة الحجة بالحجة في أجواء تسودها العشوائية والغوغائية وتسيطر عليها النزوات والأهواء، بدلًا عن التسليم للغة العقل والمنطق نظرًا لتفاوت المستوى الأخلاقي والفكري والفارق السني بين المستخدمين.

أما على الصعيد السياسي فحدث ولا حرج؛ فأصبح هذا العالم الوهمي مسرح الأحزاب التي تنفق ما يمكنها إنفاقه لتجييش الجيوش وكسب المؤيدين لبرامجها السياسية وتخلق بسببها نقاشات حادة لا تنتهي لنقاط اتفاق، وكذلك على الصعيد الثقافي والفني، فالمواقع الاجتماعية باتت منصة لصناعة الإعلام والنجوم حتى صار الهواة ينافسون المحترفين في شتى المجالات، ولا يزال يسيطر على الفكر العربي حتى اللحظة فكرة (العالم المحدث اللغوي الكيمائي، حسب ما كان مألوفًا في تاريخنا الإسلامي، لكن هذا المنطق لم يعد ممكنًا في ظل تضخم المعلومات حتى قال أحد العلماء الغربيين إن أقل ما يمكننا تسميته هذا الزمن هو (زمن التخصص) بحكم أن المعلومات قديمًا كانت قليلة جدًا مقارنة بالواقع الذي تتضاعف فيه المعلومات بفعل وسائل الاتصال السريعة، وحينما نجد النقاشات تحتدم نشعر أننا بحاجة ماسة للتعمق، فالمعلومات تتدفق من كل جانب في كل لحظة ومشكلة الإنسان العربي الرئية هي عزوفه عن القراءة ومنهج البحث السليم، فقد يريد المستخدم تكوين ثقافة من السوشال ميديا ويقتطع وقتًا طويلًا من عمره فيها، بينما هذه المواقع تقدم معلومات فقط، وهي أشبه بوجبات سريعة، بل قد تكون غير صحية أحيانًا، لذا وجب إعادة النظر لمن يعتقد أن هذه الوسائل تقدم ثقافة ناجعة له، فمتلقي أية معلومة ما إذا لم تكن لديه آليه بحثية سليمة ستتكون لديه قناعات مغلوطة وستكون وبالًا عليه في المستقبل القريب.

إن العالم الافتراضي ما هو إلا صورة إلكترونية مصغرة عن الشارع العربي الذي يمثل كافة أطياف المجتمع، ومعظم مستخدميه هاربون من واقعهم بغرض الترفيه، فيصطدمون بواقع مشابه لواقعهم الذي هربوا منه! لذا فلا خيار لهم سوى انتقاء أصدقاء وهميين بعناية لتلبية رغباتهم حسب اهتماماتهم في الحياة، وتظل الفرصة مواتية للمثقفين العرب الذين يعول عليهم بالدرجة الأساسية المساهمة في صناعة وعي الناس في نشر ما ينفعهم ومحاولة قيادة دفة هذه المواقع المهمة والمؤثرة على مستخدميها، وإلا فالنتيجة معروفة سلفًا في حال سيطرة الغوغائية ومحدودي التعليم عليها، فستستعر النقاشات البيزنطية التي تبث الكراهية بين الناس، وسيظل العالم الافتراضي مرتعًا للشائعات والمعلومات المزيفة، أما اذا كانت مشكلتنا في المثقفين غير المسؤلين، فان كانوا  لا يعلمون  فتلك مصيبة، وإن كانوا  يعلمون فالمصيبة أعظم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد