ما هو رد فعلك بعد قراءة العنوان؟ أتشعر بالغيظ؟ أما أنا فأشعر بالأسف، ومن يحترم عقله عليه مشاطرتي شعوري هذا، أما إن انجرفت وراء هزل العنوان وفضت سخرية، فأنت بالذات ممن يساهمون في تدهور عملية التعليم والتعلم.

تتعدد أصناف قراء عنواني هذا، وكبداية اخترت الحديث عن صنفين: الأول قارئ يطير فرحًا؛ إذ يهتم بالحصول على الشهادة دون اكتراث لظروف الامتحان، أو ظروف ما قبل الامتحان، أو ظروف ما بعد الامتحان، فعلى لسانهم: المهم نيل الشهادة.

صنفي الثاني من يبكي عنوانًا كهذا حد الحسرة، حد الغيرة، حد الاكتئاب؛ لأنه أحس بثقل النكتة ويدرك أن البكالوريا تفقد قيمتها في الجزائر لا محالة – لم أقل الدراسة ككل أريد أن أخص حديثي هذا بالشهادة الفاصلة بين مرحلتين حاسمتين الثانوية والجامعية – يدرك ويتحسر لأن هذه الشهادة اليوم متاحة للجميع بنسب تتعدى 50%، أصبح الطالب يفرض وجود عتبة على الدروس فهو متشوق ليضم بجهله عتبة الجامعة.

ينبغي أن نعيد التفكير هل الامتياز في المدارس الجزائرية امتيازًا فعلًا؟

يجب أن نعجل بالتفكير في زمن أصبح فيه ولي الأمر يبرر فشل ابنه بفشل منظومة كاملة !فيمارس الضغط بدوره من أجل زيادة نسبة النجاح، في زمن أصبح فيه التلميذ يطعن في معدله مهما كان، يتذمرون بحجة أن معدلاتهم لا ترقى إلى مستواهم العلمي الحقيقي؟

عن أي مستوى تتحدثون؟ هل المستوى يقاس بحفظ عن ظهر قلب؟ هل المستوى يحدد عن طريق تحديد الدروس؟

عن أي مستوى تتحدثون ومواضيع البكالوريا تتشابه في طرحها فلو نقارن بعض موضوعات السنوات الأخيرة نجدها من عائلة واحدة.

أصبح التلميذ يجتاز الامتحان وهو على يقين من نجاحه همه الوحيد أن يكون معدل النجاح مرتفعًا كي يتم قبوله في كليات الطب أو تخصصات أخرى تعرف على أنها مرموقة في المجتمع الجزائري.

صادفت نجحًا في امتحان البكالوريا قاسمته الصف في الجامعة وكحديث كلاسيكي بين طالبين جديدين… أعلمني بتفوقه واستعرض علاماته التي قاربت العشرين في كل المواد فأذهل السامعين: هؤلاء نموذج عن مجتمعنا الذي يهتم بالعلامات كثيرًا؛ إذ يصيبه الذهول من التفوق أقصد تفوق الأرقام على الورق.

جمعتنا الصدفة كذلك في عدة حصص ودروس، عجبًا؟ احترت أين تفوقك يا هذا؟ ما خطبك لا تتقن لغة واحدة سليمة؟

طريقة كلام سوقية معلومات محدودة، وإن ناقشته في موضوع ما يبرر جهله ويقول لم أدرس هذا؟ الأحرى أن يقول لم يتم تلقيني هذا الموضوع.

أرأيتم جمود عقل ظن لوهلة أنه متفوق، أوهمه معدل البكالوريا أنه نابغة، فأوهم نفسه بذلك وأوهم أمثاله بذلك.

يبدو أن جامعاتنا تتخلى عن معيار الجودة الكيفية في قبول الطلبة فتكتفي بجودة كمية مصطنعة. فما أسهل الأمر إذًا: إن أردت التفوق المزيف اجتز الامتحان في مدارسنا الجزائرية.

إن العلاقة بين النظام ومن يخضع للنظام أو بمعنى أبسط، بين معد الامتحان ومن يخضع للامتحان، علاقة طردية سلبية حيث كل طرف يستمد فشله من الطرف الآخر وكل طرف يلقي باللوم على الطرف الآخر، لكن لو علم الطرف الثاني تأثيره الكبير في هذه العلاقة لاجتهد لكون نفسه بنفسه لفاق بذكائه ما هو ممنهج في كتب من تخطيط إنسان مثله… لو علم ذلك لما انتهج الحفظ الأصم في دراسته، لكن كما جرت العادة يشتكي العباد من الأسياد متناسين تصرفاتهم وتقصيرهم.

عملية النقد ينبغي أن تكون متبادلة قبل أن تنقد غيرك اقس على نفسك وانقدها نقدًا كفيلًا ببناء شخصية حديدية مثقفة ويمكن أن تؤخذ انتقاداتها على محمل الجد لاحقًا.

من يعتبر نفسه طالب علم حقيقي، لا يلقي باللوم على أحد في عملية تعليمه فالمؤسسات التعليمية إن ساهمت في تثقيفك أو بناء شخصيتك، فهي تفعل ذلك بنسبة لن تجعل منك من أهل النخبة، بل بنسبة تمكنك من قيادة عملية بحث ذاتي عن العلم والمعرفة، هذه العملية التي من خلالها تدرك هل تريد أن تصبح طبيبًا فعلًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد