لا أتذكر في المرحلة الابتدائية إلا فسحتها، وبالأخص الصف الثالث الابتدائي؛ لأنه تم إلغاؤها بعد ذلك، وقد كان يراودني في عقلي طوال الوقت سؤال عن لماذا هي التي علقت في ذاكرتي بقوة، وأصبحت أفضل ذكري لي في ذاك الوقت.

على الرغم من عدوانيتها، وأعتقد أنه بسبب وقوعي في موقف طريف جعلها تحفر في ذاكرتي كالصخر، ولن أبخل عليك ياعزيزي القارئ به، وسوف أشاركه معك لاني اعلم أنك سوف تبتسم وأنت تقرأ قصته، وذلك بسبب طرافتها.

ولكن قبل ذلك أريد أن ألفت انتباهك إلى عنف طلاب مرحلة الصف الثالث الابتدائي، أليس من العجيب أن يكون أطفال في مُقْتَبَل العمر عنيفين على الرغم من صغر سنهم؟ هل كان ذلك بسبب تعامل المعلمين معهم بشيء من القسوة والعنف في الفصل، فكانوا يفرغون ما بداخلهم من عنف في الفسحة؟ أم بسبب نشاطهم الكبير على الرغم من سنهم الصغير؟ ولعلك إذا استرجعت طفولتك فقد تتذكر كم كنت مشاغبًا وأنت صغير! أو قد تلاحظ ذلك الآن، إن كان لديك أحد من اقاربك في مثل هذا العمر، أم بسبب جهل القائمين على المنظمة بمدى أهمية الفسحة وسوء استخدامهم لها

مفهوم الفسحة عند الغرب

فالفسحة هو مصطلح عام لفترة زمنية لا تتجاوز الـ30 دقيقة، يتم فيها فصل مجموعة من الأشخاص مؤقتًا من واجباتهم،  ويتم استخدامها إما في تناول الغداء أو اللعب.

وتعتبر الفسحة في جوهرها تجربة اجتماعية للأطفال، وتلعب دورًا هامًا في تطوير اللغة، وتساعدهم على اتخاذ قرارات المجموعة عن طريق التعاون ومشاركة الآخرين.

أهمية اللعب في تنمية الطفل

وقد أدرك الغرب أهمية اللعب في تنمية الطفل، وكان غرانفيل ستانلي هال عام 1890 أول من أجرى دراسات حول أهمية اللعب بالنسبة للأطفال، حيث أثارت هذه الدراسات اهتمامًا بالميول التنموية والعقلية والسلوكية للأطفال، وهي أيضًا  توازي الحياة المستقرة في المدرسة، وترتبط بالتطور الصحي للأطفال، ويعتبر علماء الاجتماع وعلماء النفس العطلة جزءًا لا يتجزأ من نمو الطفل، لتعليمهم أهمية المهارات الاجتماعية والتربية البدنية. فاللعب ضروري للأطفال، ليس فقط لتطوير قدراتهم البدنية، ولكن أيضًا قدراتهم الفكرية والاجتماعية والأخلاقية. فعن طريق اللعب، يمكن للأطفال التعرف على العالم من حولهم. وبعض الفوائد المعروفة من العطلة هي أنها تحسن ذاكرة الطلاب ويصبحون أكثر تركيزًا، وتطور أكبر عدد من الاتصالات العصبية.

والتعلم النفسي أيضًا يعطي الأطفال أدلة على كيفية عمل العالم من حولهم . فالأطفال بحاجة إلى حرية اللعب لتعلم المهارات اللازمة مثل التعامل مع الإجهاد وحل المشاكل، وقد تم التأكيد على أن اللعب الحر (العفوي – النوع الذي يحدث على الملاعب) هو النوع الأكثر فائدة من اللعب.

العطلة هو المفتاح في تطوير الأطفال. وقد أظهرت الدراسات أن العطلة تلعب دورًا كبيرًا في كيفية تنمية الأطفال مهاراتهم الاجتماعية. خلال العطلة، وعادة ما يلعب الأطفال مباريات تنطوي على العمل الجماعي. في الملعب، يستخدم الأطفال العديد من المهارات القيادية – يتعلمون حل النزاعات أثناء لعب هذه الألعاب وكيفية قدرة الأطفال على الاستمرار في لعب الألعاب – جنبًا إلى جنب مع تنمية المهارات الاجتماعية، تساعد العطلة على تطوير أدمغة الأطفال. العطلة تعطي أدمغة الأطفال فرصة لإعادة التجميع بعد يوم طويل من الصف أيضًا، والنشاط البدني يؤدي في الواقع إلى تطور الدماغ. وقد أظهرت أبحاث الدماغ علاقة بين النشاط البدني وتطوير الدماغ البشري. [6] دراسة أخرى تدعم هذه النتائج من أبحاث الدماغ. وقد أدى النظام المدرسي الذي خصص ثلث يومه الدراسي للأنشطة غير الأكاديمية مثل العطلة، والتربية البدنية، وما إلى ذلك، إلى تحسين المواقف واللياقة البدنية، وتحسين درجات الاختبار على الرغم من قضاء وقت أقل في الفصول الدراسية.

التنمية الاجتماعية

العطلة في جوهرها هي تجربة اجتماعية للأطفال وعلى هذا النحو، يلعب دورًا هامًا في تطوير اللغة. يستخدم الأطفال لغة لاتخاذ قرارات المجموعة وتأسيس السلطة أو الوقوف في البيئة الاجتماعية للملعب. ويذكر أحد الباحثين أن الأطفال يستخدمون لغة لاستدعاء أفكار اللعب كممتلكاتهم الخاصة لإدارة ومراقبة المسرحية التي تتكشف والتي تشن حربًا لتقديم العطاءات لقيادة الجماعة

بعض الإحصاءات حول الفسحة

وتشير البيانات إلى أن الطلاب الذين يفتقرون إلى فرص اللعب لا ينمون بشكل جيد، وعلى الرغم من أن المدارس تركز اهتمامها الآن على درجات الاختبار، بينما تلغي العطلة أو التربية البدنية، فإن الدراسات تبين أنها تؤدي في الواقع إلى زيادة درجات الاختبار كما ينتج الطلاب هرمون الدوبامين (هرمون السعادة) وهي مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على كثير من الأحاسيس والسلوكيات بما في ذلك الانتباه، وتوجيه وتحريك الجسم. ويؤدي دورًا رئيسًا في الإحساس بالمتعة والسعادة، وهو ناقل عصبي يشارك في الذاكرة وحل المشاكل.

على الرغم من أن الدراسات أثبتت أن العطلة لها فوائد كثيرة للتلاميذ، وخاصة في المدارس الابتدائية، فإن ما يقرب من 40% من المقاطعات التعليمية في الولايات المتحدة قد خفضت إما مقدار الوقت المخصص للعطلة، أو تخلصت منه تمامًا أو تفكر في القيام بذلك. ويعتقد الكثيرون أن هذا النوع من العطلة ليس فعالًا مثل العطلة الخارجية؛ لأن الطلاب في الداخل، وقدراتهم على أن تكون نشطة محدودة، إلا في صالة للألعاب الرياضية. وبدون الأنشطة البدنية، قد يكون الطلاب في وضع غير موات، ولا يحصلون على الطاقة الزائدة من الخارج إذا كانوا خارجًا، ودون التخلص من تلك الطاقة الزائدة، قد يكون الطلاب أقل عرضة للتركيز أيضا أو معالجة المعلومات بشكل أفضل.

أظهرت الأبحاث أن زيادة مستويات التوتر يضعف التعلم والصحة. هذه البيانات إلى جانب البحوث التي تشير إلى أن العطلة يمكن أن تساعد في تطوير المهارات الاجتماعية لدى الأطفال يثير القلق عددًا متزايدًا من الآباء والمعلمين وعلماء النفس؛ لأن مقدار الوقت للركض يتناقص. وهم قلقون من أن الأطفال لن يكون لديهم الفرصة المناسبة للعب.

وعوضًا عن ذلك، فإن الطلاب ينشغلون بإعداد الاختبار، ومتطلبات الواجبات المنزلية، ويطالبون بجداول زمنية خارج المدرسة. وتقلص تلك المطالب المفروضة على الطلاب من الوقت المخصص لهم للعب وممارسة الرياضة. وبالإضافة إلى ذلك، ترتبط القضايا الصحية السلبية مع الأطفال الذين لا يحصلون على كمية مناسبة من التمارين الرياضية واللعب.

لهذا السبب، كان الباحثون يتصارعون مع مشكلة دمج المزيد من وقت اللعب في المدرسة. وتبين البحوث أن 30٪ من اليوم الدراسي يتم تناولها من قبل أنشطة إدارة الفصول الدراسية الروتينية، مثل وضع المواد بعيدًا. في المقابل، قد يستغرق الوقت إدارة غرفة الصف وقتًا حاسمًا بعيدًا عن العطلة. هذا النقص في اللعب الحر وغير الموجه خلال العطلة قد يساهم في زيادة السمنة لدى الأطفال والقلق والاكتئاب لدى الأطفال، فضلًا عن اضطراب نقص الانتباه فرط النشاط.

معركة الفسحة

وقد كانت الفسحة في مدرستنا عبارة عن حلبة مصارعة كبيرة، ولكن ليست فرد ضد فرد، بل فصل ضد فصل، وفي بعض الأحيان ثلاثة فصول تتصارع في ردهة صغيرة محاولين السيطرة عليها وقهر الآخرين وجعلهم مجبرين يفرون إلى فصلهم متحصنتين في بابه يدعمونه بمقاعد الفصل منعًا لاقتحامهم، وقد كان فصلنا يتوسط (الطرقة) حيث كنا نتصارع على كلا الجانبين في نفس الوقت، على الرغم من مدى صعوبتها، إلا أننا كنا ننجح تارة ونفشل تارة أخرى ناهيك عن تكسيرهم لأبواب الفصول ومقاعدها.

وأتذكر عندما كان يتم استخدام الأحزمة تلك الأحزمة الشفافة التي بها فتحات ملونة وكان أيضًا يتم استخدام أكياس المياه فكيف لا أتذكرها وقد كانت لي معها قصة طريفة حيث كنت أحرص على تناول الشطائر التي كانت تعدها والدتي لأستخدم الكيس وأملأه بالمياه وألقيه على الآخرين وأحاول جمع أكبر عدد من الأكياس من طلاب فصلي، وفعل نفس الشيء، ولكن في يوم ما وحسب مقولة (كما تدين تدان) أصاب ملابسي كيس مملوء بالماء، فأصبحت مبللة بالكامل، وعندما وجدت معلمة الحساب ملابسي خشيت علي من الإصابة بالبرد فأسرعت بخلع قميصي وقامت بنشره على شباك الفصل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وقامت بلفي بورق الجرائد مثل الشطيرة، وكان يحدث هذا كله أمام طلاب الفصل، وهم يضحكون من ذلك، وقد فعلت المعلمة ذلك بسبب حبها الشديد لي وخوفها علي؛ فقد كنت متفوقًا معها مستمعًا إلى كل كلمة تقولها لي في الفصل ولأن والدتي زميلتها أيضًا.

وأرجو منك يا عزيزي القارئ أن تدعو لها بالشفاء العاجل لأنها أصيبت بذلك المرض الخبيث (السرطان).

ومع نهاية اليوم الدراسي أصعد إلى والدتي، فقد كانت تدرس طلاب الصف السادس الابتدائي، فتتفاجأ من منظري، وكأنها لا تعرفني، وتحدث نفسها، وتقول: (إزاي، ده ابن معلمة؟ فين ابني اللي تعبت في عمل السندوتشات ليه، واللي كان مدخل قميصه جوا بنطلونه، واللي مزرر قميصة كله، واللي كان جايب شعره على جمب؟ فين هو؟) ولكنها لم تجده بل وجدت فتى عكسه تمامًا (منعكش الشعر أزرار قميصة مقطوعة، قميصه خارج بره بنطلونه، عليه بعض شخابيط القلم الجاف، وبنطلونة أبيض من التراب).

ومن شدة التعب والارهاق كنت أنام على مقعد في آخر الفصل حتى تنتهي والدتي من شرحها، فلقد استنفدت طاقتي في الجري والصراخ وحمل حقيبة المدرسة فإذا نظرت يا عزيزي القارئ إلى هولاء الأطفال من بعيد فسوف ترى وتشعر بكم النشاط والطاقة التي يتمتع بها هؤلاء الأطفال الصغار، وقد تحزن على عدم استخدام طاقتهم في شي مفيد وضياعها في ما يرهقهم وقد استمر الحال على ما هو عليه لعدة أسابيع أخرى.

التعليم المصري

حتى قرر المدير التوقيع على قرار إلغاء الفسحة ضاربًا بعرض الحائط جميع الأبحاث والدراسات التي توضح أهمية الفسحة بالنسبة للأطفال، وبالأخص المرحلة الابتدائية.

فبدلًا عن أن يقوم بإيجاد حل لتلك المعركة التي كانت تحدث أو معرفة سبب عدم حفاظ الطلاب على الفصل، وما به من مقاعد، وتعزيز انتمائهم إلى الفصل، وبدلًا عن استغلاله لأنشطة المدرسة التي قد عفا عليها الزمن، فها هو يقوم بإلغائها، ولكن دعونا لا نلقي اللوم على المدير؛ فهو ليس سوى مدير مدرسة حكومية، ليس بوسعه فعل شيء؛ حيث تأتيه التعليمات من الإدارة، ويقوم فقط بتنفيذها، ولكن كل اللوم على ذلك النظام التعليمي الفاشل، تلك الكلمة التي فقدت معناها من كثرة فشله في مصر، ذلك النظام الذي يقتل الإبداع لدى الطلاب، بل يقتلهم شخصيًا.

وأعتقد يا عزيزي القارئ أني قد لفت انتباهك إلى صفحة من صفحات فشل التعليم في مصر الذي لم يتوقف عند هذا الحد؛ حيث  افتتح المدير فصلًا جديدًا من فصول تقييد الحرية، والذي ظل يلاحقني أينما ذهبت من المرحلة الابتدائية إلى الإعدادية إلى الثانوية، والذي سوف أتحدث عنه في مقالي القادم بإذن الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد