هناك نوع خاص من الشخصيات التي لاتهدأ إلا بتعكير صفو غيرها، ذلك النوع من البشر الذي لا ترى في صحبتهم أُلفه ولا تسعد بوجودهم. ليس هذا فحسب بل هم الذين يحق عليهم قول القائل لا يريح ولا يرتاح وجودهم منغص لوجود الجمع، كلماتهم أحد من سيوف الفايكينج وأفعالهم منفره، وأنفاسهم ثقيله. وجب ذكرهم بتلك الأوصاف لأنهم اعتادوا إيذاء الآخرين.. لهذا يعرفون في كل المجتمعات بالمتنمرين أو باللغة المصرية الدارجه قديمًا الفتوه ومؤخرًا (البلطجي).
تعريف التنمر: هو الإكراه واستخدام القوة في تهديد الآخرين بإساءة المعاملة والإيذاء طمعًا في الهيمنة. ولا يجوز وصف الشخص بهذا الوصف إن لم يتكرر منه هذا الفعل مع نفس الشخص أو باختلاف الضحايا.. أما المتنمر ففعله هذا متكرر على فترات ومع أشخاص مختلفين، وذلك لأن أحد أهم شروط التنمر هي وجود خلل في القوة البدنية لدي المتنمر وهو ما يميز التنمر عن الشجار أو العراك.. ولا يتوقف التنمر على الفتيان دون الفتيات، بل يشمل الجنسين وفي أعمار مختلفه.

معايير التنمر

١- اختلال التوازن في القوى البدنية.
٢- وجود النية العدائية.
٣- تكرار الفعل على فترات.
ويتلخص التنمر في أنه أي فعل أو قول أو سلوك عدواني يهدف إلى إلحاق أي نوع من الأذى بالآخرين سواءًا كان عاطفيًا أو عقليًا أو جسديًا أو نفسيًا.

متى ظهر مصطلح التنمر؟ استخدمت الكلمة في ثلاثينات القرن العشرين بمعنى الحبيب على أي من الجنسين، ويقال إنها كانت تعني بالألمانية كلمة مصغرة من الأخ الأوسط، وقد أتى هذا المعنى من خلال كلمة زميل جيد في القرن السابع عشر، ثم تحولت إلى مهاجم، ثم إلى مضايقة الأعداء، ثم ما لبثت أن تطورت لتصبح الآن التنمر.

 

بعض الدول لا تعرف مصطلحًا للتنمر، فالمملكة المتحدة على سبيل المثال لا تعرف قانونًا للتنمر في حين أن 49 الولايات الأمريكية تجرم هذا الفعل ولديها قوانين صارمه تجاه مرتكبيه ومع هذا فإن نسبة من يصارحون آباءهم عن التنمر الذي قد تعرضوا له لا تتعدى 20 : 30٪، ويقسم التنمر إلى أربعة أنواع:

الإيذاء النفسي أو العاطفي أحيانًا هو ما ينتج عادة عن طريق العلاقات.

الإيذاء اللفظي.

الإيذاء الجسدي.

الإيذاء الشبكي وهو الموجود على شبكات التواصل الإجتماعي.

يشمل التنمر السلوكيات المستخدمة لإظهار القوة والهيمنة والتي منها المضايقات اللفظية والتهديد والإعتداءات الجنسية والإكراه بتكرارها مرارًا على نفس الأهداف البشرية التي يجد فيها المتنمر الضعف أو الخوف من المواجهه، أو مع الأشخاص الجدد الذين يعمل عليهم بعض أساليبه. ويمكن أن تتطور ثقافة التنمر في أي سياق يتفاعل فيه البشر مع بعضهم البعض والتي على رأسها: أماكن العمل أو الدراسة، داخل الأًسر وفي الشارع والأحياء الشعبية التي تعد أكثر الأماكن التي تحدث فيها مثل تلك المضايقات والسلوكيات التي تُغلف بتسلط اجتماعي تحت أنظار ومسامع العامة، وهنا تزداد اهمية المقام الذي يمكن أن يظهر رد فعل المارة والحاضرين فيمكن من خلالها ملاحظة مشاعر وسلوكيات والأساسيات والأعراف الإجتماعية لتلك الفئة من الناس.

أسباب التنمر

من أهم أسباب التنمر:

اختلاف الطبقة الاجتماعية وهذا لا يظهر كثيرًا في الأطفال كما يظهر في البالغين وحُب إظهار الذات.
اختلاف الدين أو اللون أو الجنس أو البلد.
حُب التسلط والهيمنة.
خلل أو نقص في القوة العقلية.
التغاضي عن المشكلة والتهرب منها إعلاميًا واجتماعيًا وقضائيًا، مما يعطي مساحة أكبر للمتنمر للتمادي في تنمره.
خوف أو ضعف أو استسلام الضحية للسلوك العدائي الذي يقع عليه.
وقد أظهرت الإحصاءات أن كل دول العالم يظهر بها التنمر، ولكن بمعدلات متفاوته. فعلى سبيل المثال أظهرت الإحصاءات أن 25٪ من كل طلاب المدارس في الولايات المتحده يتعرض للتنمر وهو ما ثبت بظهور نسبة 49٪ ممن سئلوا قد تعرضوا للتنمر. ولتأكيد ذلك فهذا تقريرًا عن حالات التنمر في 35 دولة حول العالم.

وفي الوطن العربي وخاصة في السعودية فإن نسبة 31.5٪ من طلاب المرحلة المتوسطة قد تعرضوا للتنمر. أما في مصر يا سادة قأنا على يقين أنه لا وجود لمن لم يتعرضوا للتنمر. فالتعليق على نظارة صديقك أو مظهره أو لون جلده يعد تنمرًا، التقليل من شأنه والإسفاف عليه يعد تنمرًا، تقليده في هيئته أو لكنته أو إيذائه نفسيًا هو الآخر تنمر.

تبعات التنمر

تبعات ونتائج التنمر وخيمه وعواقبها لا تحمد أبدًا. بعيدا عن الضيق النفسي والاضطراب الذي يتركه المتنمر على ضحاياه فإن هذا قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى الانتحار، فللتنمر علاقة وثيقة ومعقدة بالانتحار كما أظهرت الدراسات وخاصةً بين الطلاب الذين لا يصارحون بما تعرضوا له من تنمر أو مضايقات، ولهذا أولت تلك الولايات الأمريكية جزءًا كبيرًا من القوانين وسنت له العقوبات لمواجهته بأقصى أنواع الحزم. فصورت من أجله المسلسلات، وبات التنويه عليه في كل المدارس جزءًا لا يتجزأ من النظام التعليمي.
– وعليه فالغالب على ظني أن آفة التنمر هي آفة متأصلة في الجنس البشري، ويمكن من خلال الأبحاث والكتابات والقوانين أن نقلص من وجودها، لكني لا أعتقد أبدًا أنها ستمحى من مجتمعاتنا.

مثلها مثل قضية الفقر الذي لم يوجد شعب إلا وقد عانى منه خلاف عهد الأمير العادل عُمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، وبدليل ما حدث مع الصحابي الجليل أبي ذرْ رضي اللع عنه لما عاير رجلًا بأمه وقال له يا ابن السوداء، ولم يُذكر أن الرجل كان بلال بن رباح رضي الله عنه. لكن ما حدث بعد ذلك من مصارحة الرجل بما كان من أبي ذر لرسول الله، وما حدث من أبي ذرٍ في مصالحته ووضع له خده على التراب ليطأه يلخص قصة التنمر والتعامل معها. فأبو ذر وهو صحابي رسول الله إلا أنه قد أخطأ. والرجل الذي وقع عليه الفعل لم يصمت، بل صارح بالفعل، والنبي صل الله عليه وسلم لم يغض الطرف، بل كان حاكمًا عادلًا، وأبو ذرٍ لم يُكابر، بل وضع خده على التراب لمصارحة الرجل، ولم يثبت أن تكرر منه أي فعل كهذا في حياته. ولهذا قال الله تعال تنويهًا على تلك المشكلة والآفة العظيمة في سورة الحجرات.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11).

بعض حلول مشكلة التنمر

أولًا يجب أن تواجه المشكلة من عدة زوايا والتي تشمل المجتمع المدرسي بأكمله – الطلاب والأسر والإداريين والمدرسين والموظفين وسائقي الحافلات والممرضات والكافيتريات وموظفي مكاتب اللإستقبال في كل الهيئات – في خلق ثقافة الاحترام، وأن عدم التسامح مطلقًا و ثقافة الطرد والإقصاء ليسا نهجين فعالين مُطلقًا.
– حث الأطفال على مشاركة مخاوفهم وسؤالهم عن مشاكلهم اليومية في المدرسة وعن الأنشطة التي يقومون بها مع زملائهم.
-الاستماع للأطفال أو لصاحب المكله بهدوء وتمعن وإسعاره بأنك قريب منه وإقناعه بفكرة أنه ليس سببًا فيما يحدث له.
– تحدث معه عن التنمر وكيفيته وما ينتج عنه من إيذاء وعقوبات قانونية ليشعر أنك أقرب ما يكون له فيبوح لك بما في داخله. وليتجنب التنمر على الآخرين حتى إن سولت له نفسه أو حثه على ذلك الآخرون.

لفهم القضية وكيفيتها يجب تفعيل دور التغطية الإعلامية ومحتوى الوسائط الاجتماعية المتعلقة بالتنمر على الناس، كما يلزم إجراء المزيد من الأبحاث لتوفر أنواعًا جديدة من الدراسات تقدم الدعم الملموس واللازم في المساعدة على توجيه الصحافيين وغيرهم من صانعي المحتوى أثناء تصفحهم بين أهداف اهتمام الشعوب، وإنجاز مهمتهم و تغعيل دور إعلام الجمهور بما يجب فعله تجاه التنمر بموضوعية ومسؤؤلية. ولا أحد ينكر أن الوقاية من البلطجة هي مجال أبحاث متنامٍ قد قطعت أشواط طويلة في الإجابة على بعض مسبباته والأسئلة الخاصة به. مما نتج عنه أننا نعرف الآن الكثير حول مدى تعقيد التنمر ، وكيف يؤثر على الشباب أو الكبار بمختلف أعمارهم في الوقت الذي يختبرونه. ومع ذلك تبقى هناك بعض الأسئلة التي تحتاج إلى شرح بخصوص هذه المشكلة.

وأخيرًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11).

دُمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد