لم يكن انتقالًا سياسيًّا عاديًّا في ظروف استثنائية. لقد كان أسرع انتقال سياسي في كيان الدولة الإسلامية، إذ حسم الخليفة الراشد أبو بكر الصديق كل المعارك الداخلية، التي استل فيها أبو بكر صرامته وأشهرها في وجه التحديات التي انفجرت في وجه الدولة الوليدة، حتى استطاع أن يحول كل هذه الهجمات إلى عنصر محفز لإنتاج قوة نفسية هائلة، استطاع بها حسم كل الجبهات في عامين وثلاثة أشهر حتى تنتقل العمليات العسكرية من مرحلة الردع إلى مرحلة التوسع، وهي مرحلة كانت تفرض نفسها بحكم وقوع بعض تلك العمليات في أراض متاخمة لممتلكات كل من بيزنطة وفارس في المناطق العربية، وبطبيعة الحال لم تكن لترضى الدولتان الكبريان عن حركة التحرر العربي من سطوتها، فتسعيا لوقف طموحات الدولة الناشئة في جزيرة العرب بالتدخل عسكريًّا وتآمريًّا في تلك المناطق، ما يجعل من تحريرها ضرورة لحفظ الأمن القومي لجزيرة العرب.

على الضفة الأخرى وفي بلاد فارس هناك يتحسسون كل هذه الهجمات التي استطاع بها سيدنا خالد بن الوليد في عدة أشهر فقط ضرب أجنحه دولة فارس والروم في الشام والعراق، بعمليات عسكرية خاطفة وبالغة السرعة، حين استطاع الانتصار في معركة الفراض، والتي كان لها أثر بالغ لدى الفرس. وبدأت هواجس انهيار دولتهم في الظهور، وكذلك الحال بعد فتح مدينة الرضاب المتاخمة لمملكة الروم. 

المشهد يزداد تعقيدًا، وقوات خالد بن الوليد تحقق إنجازاتها على الأرض. يبدو أن قدرات القائد الفذ تتجاوز توقعاتهم، ولا بد لهم أن يعقدوا تحالفًا لقتاله. عقدوا تحالفًا دوليًّا ثلاثيًّا مع الفرس والقبائل العربية المتنصرة، مثل إياد، وتغلب، والنمر، وبكر، وتنوخ، وذلك لوقف تقدم المسلمين وإنهاء وجودهم بأرض العراق والشام. وتحالفت كل قوى الشر على المسلمين، رفعت الاستخبارات الإسلامية نبأ هذه الاستعدادات الحربية للقائد خالد بن الوليد، وكان وقتها معسكرًا بجيشه بالفراض على حدود الشام مع العراق، وظهره للصحراء، ميدان القتال المفضل عند المسلمين والعرب، فقرر انتظار هذا التحالف الكفري والاصطدام معه عند الفراض.

ورغم العداء التاريخي بين الفرس والروم فإنهم اجتمعوا ولأول مرة في التاريخ بجيش واحد ضد المسلمين، وكان جيشه يقدر بـ20 ألفًا. أعد التحالف المجوسي الصليبي العربي جيشًا جرارًا يقدر بـ150 ألفًا، وأصروا على القتال وعبروا الفرات من الغرب إلى الشرق، وأرادوا أن يستدرجوا خالد بن الوليد في خطأ عسكري وقع فيه بعده أبو عبيد الثقفي، قائد المسلمين يوم الجسر في شعبان سنة 13 هـ، فقالوا له: «إما أن تعبر إلينا الفرات أو نعبر لكم نحن»، فقال خالد: «بل اعبروا أنتم» ذلك لو أنه عبر إليهم الفرات سيصبح محاصرًا في مكان ضيق والنهر في ظهره، وبالتالي لن يستطيع المسلمون القيام بهجماتهم الخاطفة التي اشتهروا بها، والتي كسبوا بها كل حروبهم. 

وفي يوم 15 من ذي القعدة سنة 12 هجريًّا تكامل عبور التحالف المجوسي الصليبي العربي، وما إن تكامل عبورهم حتى انقض عليهم المسلمون كالأسود الكاسرة، وقد اغتر العدو بكثرتهم الكبيرة، ولكنهم فوجئوا بشدة الهجوم الإسلامي فاضطربت صفوفهم، خاصة وأنهم خليط من أعداء الأمس «الروم والفرس»، وقد لاحظ خالد بن الوليد هذا الخلل فأمر جنوده بتشديد الهجوم وتصعيده بكل قوة، فعمت الهزيمة على جيوش الحلفاء الثلاثة، وأخذتهم السيوف من كل مكان حتى بلغ عدد قتلاهم 100 ألف مقاتل، وكانت هذه آخر معارك سيدنا خالد بن الوليد بالعراق، لينتهي هذا التحالف العسكري، لكن بينما يتوقع القارئ أن أسدل الستار عند هذا النصر الكبير، الذي أثار حفيظه الاعداء ليعودوا ليضربوا من جديد.

ينتقل المشهد بعد سنوات إلى المدينة، حيث انتصارات القادسية وعملية الإجهاز الأخيرة على دولة فارس، هناك في المدينه حيث الأسرى من أبناء كسرى وبناته اللاتي أصبحن فرشًا لأبناء العرب. الصراع بين الدولتين يصل إلى أقصاه والحسم كان مبكرًا. الخليفة عمر بن الخطاب يصدر أوامره لأهل المدينة ألا يدعوا أحدًا على غير الإسلام من علوج الفرس والروم، إلا ذلك المجوسي الذي كان يعمل خادمًا للمغيرة بن شعبة. ذلك المجوسي الذي أخبر الخليفة عمر بأنه سوف يصنع له رحى تدور مع الريح سوف يتحدث عنها الناس، ذكاء وفطنة الخليفة الراشدة أخبرته أن المجوسي يتوعده، وصرح بذلك، إلا أنه لم يتصور أن جريمة الاغتيال قد تكون بهذه الجرأة في مكان حكمه، وبين رجاله، وفي مسجده مقر مائدته المستديرة.
لم يكن اختراقًا عاديًّا في صفوف الدولة الإسلامية التي تكامل بناؤها السياسي والعسكري والاجتماعي إلا البناء الأمني، الذي ظل ضعيفًا حتى عهد الخليفة عثمان بن عفان. لم تجد كلمات الرجل العظيم وهو على فراش الموت عندما تنهد متمتمًا: «لقد كنت آمرمكم ألا تدخلوا علوجهم علينا فعصيتموني»، قوته وشكيمته وعظمة ملكه لم تمنع من حدوث الاختراق الأمني، والعملية الانتحارية التي قام بها ذلك المجوسي، الذي كان يستطيع اغتياله وهو يتفقد الرعية ليلًا أو في شوارع المدينة، دون أن يلقي نفسه إلى التهلكة، لكنه قام بعملية هي الأجرأ، واخترق المنظومة الأمنية التي انفرط معها عقد مفاهيم التأمين لبيت الخلافة، وما بعدها كان إيذانًا لضعف الجبهة الداخلية.

في المقال القادم: ضبابية المشهد السياسي في عهد الراشدين. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد