للأمانة، واعتمادًا على كمية المعلومات القليلة التي وصلتني حول مؤتمر «فلسطينيي الخارج» المُعقد في إسطنبول، فإني أنا المواطن الفلسطيني فلان بن فلان، أبدي مقدارًا جيدًا من التفاؤل، ذاك النوع من التفاؤل الذي لا يساوي تحرير فلسطين، بل يساوي إنشاء شخصية نضالية شعبية جديدة، سواءً كانت وفق المعايير التي يريدونها منا أم لا، من خلالها يبدأ الشارع الشعبوي في رسم خطوط نضال جديدة بعيدًا عن الضلالات، شخصية تتبنى سلوكيات تحمل بوصلة صائبة تشير إلى الأقصى، ليست لمناطحة التمدد الصهيوني فحسب، بل لتحويل «الجزء السيئ» من الماضي الفلسطيني إلى حاضر أكثر جديةً لخدمة قضية فلسطين التاريخية.

للأمانة يجب أن نتفاءل بالقدر الذي يسمح لنا بالقول، بأن مثل هذه الندوات تشكل خطرًا كبيرًا على هوية الكيان الصهيوني، لكن في نفس الوقت إياكم والاعتقاد بأننا على بعد بضع خطوات من تحرير فلسطين، الهدف الأولي لمثل هذه الدعوات، هو صقل شخصية نضالية أولًا، محاربة خجلنا في إشهار قضيتنا، ثم الانطلاق منها لمعاركة تمدد المحتل، وتأليب كل من يقف في صفه ويعاونه على مجازره، هذا أهم ما يجب التركيز عليه، الشخصية النضالية بوجهها وكينونتها الجديدين، حتى لا تتكرر المراهقة الفلسطينية التي تخللت الكفاح المسلح خارج فلسطين أواخر القرن الماضي.

الأمانة الآن على عاتق أهل الخبرة ممن شارك في المؤتمر، وممن سيشارك في المؤتمرات القادمة، الاهتمام بالنقابات، وإشراك جميع التوجهات والعقليات في إنشاء جسر مقاومة، والتركيز على إعادة مفهوم التاريخ الفلسطيني لفلسطينيي الشتات، ولأن التاريخ يسهل تحريفه، فإنه من البديهي أن تكون المعلومات التعريفية عن القضية عند أهلنا في الشتات غير دقيقة، كما قد تكون محرفة لدى أهل الداخل كذلك، لا سيما إذا علمنا بأن شريحة فلسطينية لا بأس بها نسيت فلسطين مع تغرّبها في الخارج؛ لذا يجب توجيه المجلة التعريفية الصحيحة لتلك البيوت والأفراد، وتعزيز دور الشباب الفلسطيني المبدع، وإعطاؤه شرف العمل في مجالات الرواية، والإعلام، والصحافة بهدف توحيد الصف.

ترتكز أهمية هذا المؤتمر على محور تعزيز ثقافة الفرد الفلسطيني، وتنصيب مفاهيم جديدة لمن انعدمت لديه الهوية، وتعديل مفاهيم الوطنية لهؤلاء الذين لم يستفيدوا من تجارب الحراكات والنشاطات في السابق. كما أرجو أن يكون هناك عمل دؤوب على تفعيل الحراك الفلسطيني بأراضي الثماني والأربعين، ذاك النوع من الحراك الذي لا يعيد أخطاء الماضي، بل نُشعر به الاحتلال أن ثمة شيئًا جديدًا سيحدث، شيئًا جديدًا عن كل ما مضى، شيئًا جديدًا يُهدد الأمن القومي للمحتل، ويلاحقه في الوادي والجبل.

في بداية الأمر كنت أهزأ من حشد مثل هذه المؤتمرات، لا سيما أننا رأينا محاولات كثيرة في الماضي كلها باءت بالفشل، أو أريد لها أن تفشل على الأقل،  كما أن مثل هذه المؤتمرات لن تكون شغل معظم الإعلام العربي الشاغل على أية حال، واليوم أحمِل تفاؤلًا حيال هذا الاجتماع، مصدر تفاؤلي بأن هذا الاجتماع لهو انطلاق حسن، وما سيأتي سيكون أحسن، ولأن التفاؤل وحده لا يكفي، فالهدف الأبرز هو تأليب الشعب الفلسطيني على اتفاقيات أوسلو وغيرها؛ لأن الهدف الحقيقي في مسيرة هذه الاجتماعات هو خلق البُنية التحتية للوصول إلى فلسطين، ودون إجبار «منظمة التحرير» على التبرؤ من أوسلو وغيرها من الاتفاقات التي تتضمن تنازلات وطنية صريحة، لن يكون هناك هوية فلسطينية لا في الداخل، ولا في الخارج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد