إذا كان البعض يرفض مسمى المؤامرة في اتجاهات بعض الأنظمة الحاكمة وسلوكها، لعدم وجود أدلة حقيقية تؤكد ذلك المفهوم! وإذا كان يرفض تسمية ونسبة النتائج الكارثية «كما يراها البعض الآخر» التي تخدم مصالح الدول الفاعلة والمؤثرة، بدلًا من أن تخدم تلك النتائج والاتجاهات توجه الأمة وحضارتها وأصالتها، إذا كان يرفض نسبة ذلك إلى وجود المؤامرة، فإن ذلك الرفض لا ينفي أو يمنع وجودها ووقوعها بأسماء ومفاهيم أخرى.

 من المفاهيم والمسميات التي تنطوي على المؤامرة مفهوم قوة الهيمنة والسيطرة، الذي تستخدمه بعض الأنظمة الحاكمة المعاصرة، صحيح أن الهيمنة والسيطرة مطلب رئيس لبسط سيادة الدولة وتثبيت نفوذها على نطاق داخلي في حدود الدولة، إلا أن هذا المفهوم إذا كان يقصد فرضه على الداخل بأي وسيلة، فإنه يمثل المؤامرة، وفيما هو منظور فإن قوة الهيمنة منهج رئيس، واستراتيجية ثابتة في العديد من الأنظمة، ومن ثم فإنه يعد دليلًا من الأدلة الحقيقية التي تعضد وتؤكد مسمى المؤامرة.

أول من طرح مفهوم قوة الهيمنة هو «جرامشي» الذي رأى أن هذا المفهوم هو آلية للسيطرة الأيديولوجية بالأساس، في إطار التأكيد على أن أي نظام مهما بلغت قوته وسطوته ودمويته، فإنه لا يمكنه الاستمرار بناء على العنف وممارسة القمع لمدة طويلة، وهذا ما يدعو إلى استحداث أنماط جديدة تمكن النظام في الاستمرارية والبقاء؛ لأن ممارسة العنف وإسالة الدماء لفترات طويلة هي سمة للضعف لا للقوة، وعليه فإن استمرارية أي نظام إنما تقوم على حجم الدعم الشعبي أو الإجماع الأيديولوجي، وهو ما يتطلب من النخب توظيف آليات مختلفة واستغلالها، مثل التوظيف التعليمي، والإعلامي، والثقافي، والديني، على أن تكون نهاية ذلك التوظيف ومحصلته هي تزييف الوعي الشعبي وتغييره، بالشكل الذي يؤدي إلى حالة الانقياد والاستسلام المطلق والكامل للنخب الحاكمة، وبالشكل الذي يؤدي إلى قبول الأفراد للاستغلال!

وإذا أسقطنا مفهوم الهيمنة بمعناه عند «جرامشي»، وهو إحكام السيطرة الكاملة على الدولة بالصورة التي تمارس فيها وسائل وأساليب ربما تكون ميكافيللية، بهدف إطالة عمر النظام بوسائل غير القوة والعنف والقمع، أو مشاركة القوة الصلبة مع القوة التلاعبية الميكافيللية – إذا جازت الاستعارة- إذا أسقطنا ذلك على الأنظمة المعاصرة، ربما وجدنا أن نظرية «جرامشي» تنطبق على أكمل وجه، سواء أكان النظام يعلن توجهًا إسلاميًّا أم علمانيًّا، والمحصلة في ذلك هو وقوع تلك الأنظمة في مسمى المؤامرة على الأفراد والشعوب، وهي من ناحية ثانية توفر وقتًا كبيرًا للدول الفاعلة، التي ربما تتفق معها في جوانب كثيرة، وإذا كانت تلك القوة تمثل نوعًا من المؤامرة، فإن لجوء الأنظمة إلى توظيف آلياتها الإعلامية، والدينية، والقانونية، والثقافية، لتزييف الوعي الشعبي وتغييره لضمان الاستمالة والانقياد والاستسلام الكامل، فإن ذلك يدرج المؤامرة في مسمى أكبر، وهو الخيانة! بصفة المؤامرة هي صورة من صور الخيانة.

 ثمة مفهوم آخر ربما يتداخل ويتشابه مع مفهوم الهيمنة والسيطرة وينطوي على المؤامرة، وهو مفهوم القوة الناعمة، وهو في تقديري من المسميات التي تمثل حلقة أيضًا من حلقات المؤامرة، وإذا كانت القوة الناعمة بمعناها الذي طرحه وتصوره المؤرخ البريطاني «نيل فيرجسون» الذي يعرف القوة الناعمة بأنها التأثير في السياسة العالمية، من خلال «قوى غير تقليدية مثل السلع الثقافية والتجارية»، فإن هذا المفهوم يظل أيضًا قوة ضاربة للتلاعب بالشعوب، ويمثل مؤامرة من الأبواب الخلفية على الدول، وإذا كانت الأنظمة الحاكمة في المنطقة تستخدم القوة الناعمة بتوظيف مؤسساتها وهياكلها، إضافة إلى قوة الهيمنة بالدرجة التي لا يشعر معها الأفراد بأي نوع من الإلزام، أو القهر، أو الجبر، فإنه يصح أن يصنف ذلك مؤامرة كبرى! ربما لا تكون داخلية علي الأفراد وحسب، إلا أنها أيضًا مؤامرة خارجية من الدول الفاعلة على الأفراد بالمفاهيم والمسميات ذاتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد