في كل مكان، في الشارع، على الجدران والجداريات، خلف كل أشكال الشاشة، وفي كل يوم ولحظة، دون انقطاع أو هفوة، يستمر الإشهار والتشهير بكل أنواع الخدمات والمنتجات، الصالحة والطالحة، المجدية والتافهة، العالم كله في شكل قواه الاستثمارية، يبحث عنك أو يبحث فيك عن قدرتك الاستهلاكية.

الرفاهية والسعادة والسهولة والمتعة وغيرها من نوطاتٍ تشكل سنفونية متكررة تملأ أركان حياتنا حتى غدونا نستنشقها هواء ونشربها ماء، لتقنعنا بشكل الحياة الزهرية والأسرة السعيدة وصيحات أنماط الحياة المتسارعة والمتواترة، أو عفوًا، لتقنعنا بالاستهلاك بشراهة، ليصبح كوكبنا اليوم، كوكب الكائنات المستهلكة.

كوكبنا ينزف من شدة الاستهلاك، وخصوصًا من قبل الفئة الأولى من المستهلكين، أولئك الذين جعلوا من البَر والبحر مادتهم الخام، للإنتاج بلا هوادة، ومزبلتهم، لرمي نفاياتهم إن لم يجيدوا تدويرها، وبعض من هذه الشركات الإنتاجية، أو عفوًا، الاستهلاكية، تقوم على أنقاض خرقات بيئية وأخلاقية تمس بالبشر قبل الحجر والشجر والحيوان، وذلك ليس إلا لأن العجلة الاقتصادية الاستهلاكية تدوس كل شيء، وسِهام الجشع لا تُبقي ولا تذر من الحقوق أي شيء.
هذه الفئة الاستهلاكية الأولى، تجيّش جيوشًا، وتجنّد جنودًا، لا قِبل لأحد بها، لتصنع ذوقك واختيارك، لتصنع نمط حياتك، وشكل طموحاتك، لتربط صلة وثيقة بجيبك ورصيدك البنكي، تلك الغاية الأسمى.

من هنا تصبح بدورك مستهلكًا من درجة أخرى، بل أفضِّل أن أصف هذه الفئة بالمستهلَكين، بفتح اللام لا كسرها، فعندما يصبح شغلك الشاغل، هو مواكبة الصيحات المتتالية وأنماط الحياة المفروضة، فقد استُهلك حق الاختيار وفساحة الذوق فيك، في زمن لا تُوجَّه فيه الآراء والأفكار فحسب، وإنما الأذواق أيضًا.

الأهم من هذا كله، هو معنى الإنسان المنتج اليوم، الذي تقهقر ليصبح شبحًا بين المستهلكين من كل الفئات، فلا تحسبنّ أن وظيفتك أو عملك قد يجعلان منك فردًا نشيطًا منتجًا كما يقولون، فأكبر وهم، هو ذاك الذي يجعل من دوافعك الإنتاجية في الحياة، تتلخص في شغفك الاستهلاكي، الذي تحركه عجلة اقتصادية كبرى، تطلب منك الإنتاج أكثر، فقط لتستهلك أكثر، من هنا ضاع الإنتاج السليم، بين مستهلِك شره ومستهلَك تائه.

ذاك الإنتاج الذي لا يستهدف جيوب الناس فقط، وإنما قلوبهم وعقولهم، يستهدف الإنسان فيهم وينهض بوَعيهم وحياتهم.

سررت وابتهج صدري، وأنا أرى شبابًا أسّسوا مؤسسة استهلت دروسها في التنمية البشرية والمقاولة، بنساء إما يعانين في ظروف عملهن، أو أرامل لم يجدن من ينهض بهن لينهضن بأسرهن، أو كل من عجزت أن تجعل من أفكارها البسيطة واقعًا يحفظ لها ولأبنائها العيش الكريم، من اللواتي لم يملكن فرصة التعلم ووجدن أنفسهن المعيلات الوحيدات لأسرهن.

فرحت وأنا أرى في بلاد غير بلادي، مطعمًا كل عماله شباب وشابات مصابون بمتلازمة داون، يوزعون الأطباق والطلبات والابتسامة والسرور على الزبناء، وهالة من السعادة تحيط بهم.

كنت سعيدًا وأنا أرى شبابًا يافعين يبدعون في إعادة إنتاج دروس مقرارت المستوى الثانوي على شكل قصص مبسطة وممتعة، تفتح شهية العقول، وتيسر استيعاب المفاهيم على من يستعصي الفهم.
أعجبني يومًا مشروع بسيط لفريق شاب عن المبرِّدات الشمسية بديلًا عن الثلاجات لأهل القرى النائية التي لم يصلها الكهرباء، لكن وصلها طموح شباب منتج.

بل وأهوى من الناس من لا يزال يملك ملكة الإنتاج السليم، بالذي يسمو بأهدافه فوق الحسابات المادية المحضة، بالذي لا تزال نفسه تنبت الطموح البنَّاء، بالذي يتجرد من قيود الحياة المستهلِكة للفكر والروح، ليخوض غمار الحياة التي يكون فيها فاعلًا لا مجرد متفاعل، هذا ما أرجوه على نفسي وعليكم، فما زال حيًّا من عاش على العطاء، فمنظومة الاستهلاك اليوم، تستنزف فينا روح العطاء، تقتل فينا جمال الذوق، تطمر في أعماقنا الاختيار الحر، تنسف التنوع في أنماط الحياة، تربك في نفوسنا الطمأنينة للحاضر ومكتسباته، في سبيل الغد ومستجداته، تسوقنا لمتاهة الإنتاج الاستهلاكي، لا الإنتاج البنَّاء، لتضيع أهم معالم الإنسان الحي، كأنها مراسيم دفن، تسبق الموت. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد