حديث عابر عن الفساد التربوي وتراكماته

دائمًا الفساد يكون نتاج غياب الرقابة الإدارية والمتابعة المستمرة لمستوى الأداء الوظيفي في المنظمة أو المؤسسة أو أي قطاع يحتوي على مجموعة أعضاء أو موظفين يعملون تحت مدير أو قائد أو مسؤول معين.

عندما الموظف أو المرؤوس لم يجد الرفاهية العملية والعمل بصدق ونزاهة ويجد مضايقة من قبل الرئيس عليه يحاول هنا جاهدًا أن يقدم تنازلاته على حساب مستوى الإنتاج العملي الذي يقوم به؛ ولأن أغلب المُدراء في البيئة العملية دائمًا يحاولون فرض إملاءتهم على الموظفين بحجة كسب الولاء الوظيفي والعمل تحت أمرهم والخضوع للأخطاء، دون مراجعة أو رفض مُعلن.

أيضًا الفساد الإداري في المؤسسة أو القطاعات التعليمية يكون نتاج سوء الإدارة وغياب الرقابة التربوية والتقيم والمتابعة المستمرة لمستوى الأداء والالتزام الوظيفي من قبل الجهات المعنية والمختصة، في هذه الحالة دون جدل يحدث الخلل، وتحل تراكمات المشكلة المصطنعة، وتؤدي إلى نوع من الحساسية المفرطة بين الرئيس والمرؤوسين.

ويحدث أيضًا انحراف في مسار التعليم الصحيح عندما يحاول المدير أو القائد فرض الإملاءات على الموظف التربوي وتفريغه تمامًا من المسؤولية، والانفراد التام بالقرار، وعدم مناقشة ما يجب أخذه أو نفيه.

الفساد بطبعه يُعد انتهاكًا صارخًا على مبادئ النزاهة والتعدي على حقوق الآخرين وتجاوز لقانون العدل والمساواة الاجتماعية. الفساد بكل جوانبه غير مقبول، وإن حل أفسد الحياة وصنع جيلًا سيئًا لا يعتمد عليه في بناء المستقبل والتخطيط للتغير الإيجابي، لهذا علينا أن ننتقد بكل صراحة، ونكاشف بكل شجاعة كل من تسول له نفسه في تعميم ثقافة الفساد كعادة وأسلوب داخل بيئة العمل والحياة.

على طارئ الحديث أتذكر قول المُفكر والروائي المصري نجيب محفوظ في حديثه عن الفساد قائلًا: عندما يأمن الموظف من العقاب سيقع في الفساد ويسوم الفقراء سوء العذاب. هكذا إذًا تبدو صور الفساد، خاصة حين تكون بأبشع أعذارها المختلفة لأغراض واهية لا يعلم الواحد لماذا هي إذًا، وما هي المُبررات التي لأجلها يكون الفساد؟

الفساد الأخطر حين يكون نتيجة لشبكة من الأعضاء ما إن يغيب الأول حتى يكون الآخر هو الحاضر لتغطية الفراغ، أعود قليلًا للتصور نفسه في قول الكاتب الساخر جلال عامر بأن الفساد في هذه البلاد – يقصد البلاد العربية – شبكة أكبر من شبكة مجاري الصرف الصحي، لا تدري من أية مأسوره تسده فتظل حائرًا في تساؤلاتك المجهولة دون جدوى أن تُلاقي من يحاول جاهدًا مُحاربة مفتعليه.

في هذه الجزئية دعوني أتحدث عن مجتمعي الريفي، نحن كمجتمع مصغر بحجم عزلة محدودة المساحة الطبوغرافية نُعاني من تواجد مجموعة بارعة في صناعة الفساد بكل صوره تحت مُسميات وأعذار تندرج حسب تسويقهم لها نوع من التغطيات للعجز المالي الحادث بسبب الظروف وتراكمات الحرب والأزمة معًا، وكأبسط مثال لهذا القول ما يحدث اليوم في مدرسة  الحسين بن علي في قريتي الجميلة الواقعة في إحدى ضواحي ريف محافظة إب اليمن من انهيار للعملية التعليمية – بسبب انقطاع رواتب المعلمين وسوء الإدارة المؤسسية للعملية التربوية – ورشوة ومحسوبيات واختلالات في العملية التعليمية طالب طيلت السنة الدراسية مُغيب تمامًا عن المدرسة لا يعرف في أي مستوى دراسي هو!

وحين يأتي حصاد السنه يُقبل حاملًا أعذارًا سخيفة لا ترتقي إلى أن يفصح المرء عنها أو يطرحها مُعلنًا سذاجته في الإدارة، دون خجل حين يُعرض مقابل غيابه الطويل دفع ما تيسر من المال، وليكن مبلغًا يتجاوز الـ5000 ريال يمني، وهو بمثابة رشوة مُحترمة للقائمين هُناك على العملية التعليمية بعدها لينصرف منتصرًا على العدالة الحقة والقانون وكل مبادئ الأخلاق والقيم والنزاهة.

هُنا أَتسْاءلُ أين يذهب هذا المبلغ المفروض على الطالب كغرامة مالية لتخلفه عن الحضور والدراسة؟ هل مثلًا يذهب لخزينة المدرسة – في حال كان هناك خزينه – ليتم عمل فيه إصلاحات وشراء أدوات تعليمية تخدم الطالب، أم أنه يذهب لجيوب المجموعة المارقة والناكثه لشرف المهنة والاختصاص؟

غياب إدارة المؤسسة المثالية – البيروقراطية – وخلو المشهد من الكفاءات والشرفاء ساعد كثيرًا في صناعة الفساد والفوضى العارمة داخل العملية التعليمية بالمنطقة، وإن كان هناك من صوت لبعض الشرفاء يُغيب تمامًا بمجرد أن يظهر فيحبط ويحاربه المجتمع بكل الوسائل المتاحة إلى أن يصل لقناعة مطلقة بأن الصمت حكم وقليل فاعلهُ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد