ربما لم نشهد في الساحة الكروية المصرية منذ سنوات طويلة مديرًا فنيًا يتعرض لهذا الكم الهائل من الانتقادات رغم تحقيقه لإنجازات هامة مثلما شهدنا ما يتعرض له المدير الفني للمنتخب المصري هيكتور كوبر المدير الفني الأرجنتيني.

بعد أن حصد المنتخب المصري بقيادة المخضرم حسن شحاتة الكأس الأفريقية عام 2010 للمرة الثالثة على التوالي تعثرت قدما الفريق عدة مرات كانت أولها مع شحاتة نفسه الذى فشل فى التأهل لبطولة أمم أفريقيا 2012 التي شهدت غياب حامل اللقب؛ فتمت الإطاحة بالرجل، ليأتي الأمريكى برادلي خلفًا له ليكرر فشل سابقه في عدم التأهل لكأس أفريقيا 2013 ولكن بقي في منصبه من أجل الهدف الأهم، وهو التأهل إلى كأس العالم 2014 بالبرازيل، ولكن الحلم المصري دهسته أقدام غانيّة لا ترحم فكانت الهزيمة السداسية التاريخية القاسية والتي أعادت الأمريكى إلى بلاده من حيث أتى ليتبع ذلك الرجوع إلى المدرسة المصرية المحلية فيرجع شوقي غريب مساعد شحاتة على رأس الجهاز الفني للمنتخب ليتحقق على يديه الإخفاق الأفريقي الثالث على التوالي والفشل إلى التأهل إلى كأس الأمم الأفريقية 2015 ليكون مصيره شبيهًا بمصير (معلمه) حسن شحاتة.

بعد هذه الإخفاقات المتوالية المتتالية لم يعد جسد الكرة المصرية الهزيل المنهك المثخن بالجراح يتحمل المزيد من الآلام والدماء، كان المنتخب المصرى يحتاج إلى مدير فنى كبير ينتشله من دوامة التخبط وعدم الاتزان التى يدور فيها، وقع الاختيار على الأرجنتينى هيكتور كوبر، مدير فني لمع فترة من الزمن فى سماء الكرة العالمية ثم توارى إلى الظل تدريجيًا بعد ذلك، تولى تدريب أندية عالمية في أواخر الألفية السابقة وأوائل الحالية كناديي فالنسيا وإنتر ميلان، بينه وبين الألقاب الكبرى جفاء عجيب، خسر مباراتين نهائيتين في مسابقة دوري أبطال أوروبا عام 2000 و2001 عندما كان مديرًا فنيًا لنادي فالنسيا الإسباني، وعندما تولى الإدارة الفنية لفريق إنتر ميلان خسر لقب الكالتشيو في الجولة الأخيرة عام 2002 بعد خسارته أمام نادي لاتسيو، بعد ذلك درب أندية متوسطة المستوى في إسبانيا وإيطاليا قبل أن يفعل الشيء نفسه، ولكن في اليونان وتركيا لينتهي به الحال إلى تدريب نادي الوصل الإماراتي.

إذًا كان الأرجنتينى الأشيب لدية سيرة ذاتية مقبولة لمع فيها اسما ناديين عالميين، وقبل العجوز التحدى، الوصول إلى كأس الأمم الإفريقية 2017 والأهم التأهل إلى كأس العالم 2018، ذلك الحلم الذى بدا للمصريين أشبه بسراب لا يُنال أبدًا، تتعاقب الأجيال المتميزة، جيلًا تلو آخر، تتألق في سماء القارة السمراء وتعتلي عرشها غير مرة في كأس الأمم الأفريقية دون الوصول إلى البطولة الأغلى والأهم في العالم، تخاذل من المصريين أم تمنع من البطولة ذاتها؟ لا يهم، في النهاية يضلون الطريق فما من سبيل للوصول إليها.

بعد توليه المنصب بشهر واحد أوقعت قرعة تصفيات كأس أمم أفريقيا 2017 المنتخب المصري مع المنتخب النيجيرى حامل اللقب في 2015 ضمن مجموعة واحدة، ولكن العام التالي شهد تعادل المصريين في نيجيريا قبل أن يحققوا الفوز على المنتخب النيجيرى بشق الأنفس في الأسكندرية حتى تم الصعود رسميًا بالفوز على تنزانيا في عقر دارها.

ها قد حقق أول أهدافه. إذًا التأهل إلى كأس الأمم الأفريقية الذي كان شيئًا عاديًا في الماضي أصبح إنجازًا بسبب طول فترة الغياب الأفريقية خاصة وأن التأهل جاء على حساب منتخب عنيد عتيد.

بدأت ملامح شخصية كوبر التدريبية تظهر بعد عام، الرجل يحقق الفوز، ربما باجتهاد فردى من لاعب أو بسوء توفيق يقابل المنافس، لكنه يحققه، لا تستمتع الجماهير بأداء هجومي وجماليات فنية، لكنه يحققه، والفوز غالبًا ما يخرس ألسنة المنتقدين، ولو كانوا محقين.

يتبقى إذًا حلم الصعود المونديالى، لا، أصبح هناك هدف جديد، المنافسة على كأس الأمم الأفريقية، قد يغيب المصريون، قد يغيبون طويلًا، لكنهم إن دخلوا المعترك الأفريقي، فإنهم ينافسون على اللقب.

قبل المنافسة على اللقب الغائب كان عليه أن يخوض تصفيات الحلم والسراب، تصفيات كأس العالم مع منتخبات غانا وأوغندا والكونغو، غانا ثانية، غانا التي أطاحت ببرادلي يا كوبر.

بعد أن تغلب في البداية على الكونغو، في الكونغو، كانت المواجهة المرتقبة في الإسكندرية مع المنتخب الغاني الذي افتقد أهم لاعبيه المهاجم الخطير أسامواه جيان، تسود المنتخب الغاني اللقاء ودانت له السيطرة الكاملة، لكن المصريين استطاعوا أن يختطفوا نتيجة المباراة بهدفين، ولو لم يكونوا الطرف الأفضل، تلك المباراة أظهرت عجز المنتخب المصري الهجومي الواضح وكشفت فكر كوبر العقيم هجوميًا، تلك الحالة المخيبة لخصتها إحدى جمل المعلق (مدحت شلبي) أثناء تعليقه على المباراة حين قال متحسرًا أثناء فشل المنتخب المصري في بناء هجمة طبيعية من الخلف للأمام (حتى دى مش عارفين نعملها؟) نعم لا يوجد أي فكر هجومي ولا تشعر أنه توجد جمل تكتيكية هجومية تدرب عليها اللاعبون، حتى يشعر المرء أن الرجل يدرب اللاعبين على غلق المساحات وفقط، وماذا بعد؟ لا شىء، هجوميًا، كل واجتهاده.

بنفس الفكر وبنفس الطريقة لعب المنتخب بقيادة كوبر البطولة الأفريقية عام 2017.

دون الخوض فى مبارياتها وتفاصيلها، استطاع المنتخب الوصول للمباراة النهائية بأداء غير مقنع فى معظم المباريات، فاز المنتخب خلال الأدوار الإقصائية بمباراتي المغرب وبوركينا فاسو ولم يكن الطرف الأقوى معظم فترات المباراتين، مباراة بوركينا فاسو هذه شاهدتها في أحد المطاعم، بعد أن سجل صلاح هدف التقدم المصري فرح الناس للحظات كشعور طبيعي، ثم انفجر معظمهم من الضحك، فرحوا بتقدم فريقهم، ولكنهم كانوا يعلمون يقينًا بأن من تقدم ليس هو الفريق الأفضل، كان هدفًا على غير سير المباراة، ولكنه قد يخطف به الفوز كالعادة، قبل أن يتعادل المنتخب البوركيني ليحسمها المخضرم الحضري بضربات الترجيح في النهاية.

بعد هزيمة المنتخب أمام الكاميرون في النهائي لم يحزن كثير من مشجعي المنتخب، لم يحقق المنتخب ما يستحق به لقب البطولة، تلك البطولة التي كان يحققها سابقًا عن جدارة واستحقاق بعد مباريات اتسمت بالأداء الهجومي وغزارة الأهداف.

بعد بضعة شهور استكمل المنتخب رحلته في تصفيات كأس العالم، فاستهل استئنافه بهزيمة أمام أوغندا، لم يعد أداء سيئًا وفقط، هذه المرة قادنا الأداء السيئ إلى متاهات الهزيمة المقلقة، اللعب التجارى لن يجدي نفعًا على الدوام، بعدها بأيام قليلة تدارك الفريق نفسه وحقق الفوز في ظل غياب الأداء الطيب كالعادة.

استفاد المنتخب المصرى من نتائج باقي فرق المجموعة لتصبح الجولة الخامسة أمام الكونغو أضعف فرق المجموعة هي الحاسمة في الصعود إلى كاس العالم، ولتصبح أخطر مباريات المجموعة امام غانا في غانا غير ذى قيمة إذا ما تحقق الفوز أمام الكونغو، شهدت المباراة أداء عشوائيًا كالعادة أمام فريق متواضع لا يملك إلا أعصاب لاعبيه الهادئة، في النهاية – وبدون خوض في تفاصيل – شهدت المباراة فوز المنتخب وتأهله إلى المونديال بعد تحولات دراماتيكية.

بعد هذه المباراة لعب المنتخب المصري خمس مباريات دولية ودية لم يختلف فيها الأداء كثيرًا، محاولة إغلاق المساحات الخلفية وإحكام الرقابة على صانع ألعاب الفريق المنافس بواسطة لاعبي ارتكاز الوسط، وطارق حامد غالبًا هو من يقوم بهذا الدور وأحيانًا بعنف زائد، أما الشق الهجومي فلا حديث يقال، لعدم وجود شيء منظم من الأساس.

خلال خمس مباريات ودية سجل المنتخب المصري هدفين فقط أحرزهما صلاح أمام البرتغال من تسديدة جيدة مفاجئة والظهير أيمن أشرف أمام منتخب الكويت؛ مما ينذر بتصحر هجومي قد نراه في كأس العالم.

لا تكمن المشكلة خلال المباريات الودية في النتائج، ولكن في الأداء المخيب للآمال، فالمباريات الودية تلعب أمام فرق بعضها يفوقنا في المستوى الفني والبدني، فضلًا عن كثرة التبديلات أثناء المباراة الواحدة بغرض إشراك أكبر قدر ممكن من اللاعبين.

لكن هل يتحمل كوبر وحده تراجع المستوى الفني – خاصة في الشق الهجومي – للمنتخب؟

من المؤكد أن اللوم كله لا يتحمله كوبر بمفرده، فكما يتهم كوبر دائمًا بعقم فكره الهجومي فإن الكرة المصرية تعاني عقمًا هي الأخرى في بعض المراكز.

لم تشهد الكرة المصرية –ربما طوال تاريخها – عقمًا في مركز رأس الحربة مثلما شهدت هذه الأيام، كوكا وعمرو جمال خرجا من قائمة المنتخب النهائية غير مأسوف عليهما، ولا يوجد مهاجم صريح سوى مروان محسن، مروان مجتهد ويملك بنيانًا قويًا، لكنه ليس أبدًا ذلك المهاجم الذي نعتمد عليه في بطولة أفريقيا حتى، فما بالنا بكاس العالم؟ أما محمود كهربا فهو ليس مهاجمًا صريحًا من الأساس.

لكي ندرك حجم الفارق بين خط الهجوم حاليًا وخط الهجوم في عهد شحاتة، فلسترجع ذكريات أمم أفريقيا 2006، خط الهجوم كان يلعب فيه عمرو زكى وعماد متعب وأحمد حسام ميدو وحسام حسن وعبد الحليم علي وخرج أسامة حسني بسبب الإصابة وغضب البعض لأن شحاتة لم يستدع أحمد بلال بديلًا لأسامة حسني، سبعة مهاجمين كبار كانوا متواجدين معًا في ذلك الوقت أدناهم فنيًا أفضل من أي مهاجم مصري حاليًا، وانضم بعد ذلك محمد زيدان وناجى جدو.

فما ذنب كوبر في هذا العقم الهجومي غير المسبوق ربما في تاريخ مصر الكروي؟

مركز صانع الألعاب يلعب فيه عبد الله السعيد الذي أخذ حجمًا أكبر منه بسبب نقص أو تراجع المواهب في هذا المركز حاليًا، في 2006 مثلًا لعب في هذا المركز أبو تريكة وبركات ولم يتم استدعاء حازم إمام، وفي 2008 لعب زيدان وأبو تريكة وفي 2010 كان أحمد حسن، أي واحد من هؤلاء لو كان موجودًا لما شهدنا السعيد في هذا المركز أبدًا، شيكابالا بديل السعيد الحالي كان يلعب في هذا المركز في الزمالك حين كان في قمة مستواه تحت قيادة حسام حسن وحسن شحاتة.. ولكن تراجع مستواه نسبيًا أعطى الفرصة للسعيد، السعيد لاعب جيد لدية رؤية جيدة للملعب، ولكنه يفسد ذلك ببطء حركته وتأخره في التمرير أحيانًا ونادرًا ما نراه يصوب من خارج منطقة الجزاء، رغم أن ذلك كان أهم مميزاته سابقًا.

توجد مشكلة أيضًا في مركز لاعب الارتكاز، النني وطارق حامد يؤديان دورًا واحدًا تقريبًا، دور لاعب الارتكاز القوي ذي المجهود البدني الوفير قاطع الكرات، لكن أيًا منهما لا يقدم الدعم الهجومى المطلوب سواء بالمشاركة بالتمريرات الحاسمة وصناعة الأهداف أو التسديد من خارج منطقة الجزاء، باختصار لا يوجد لاعب بمواصفات حسنى عبد ربه أو حسام غالي أو حتى أحمد حسن الذي كان يجيد أحيانًا في ذلك المركز رغم أنه ليس مركزه الأصلي.

إذا كان المنتخب لديه ثلاثة لاعبين يمكنهم اللعب في مركز الظهير الأيمن، فإن هناك مشكلة حقيقية في مركز الظهير الأيسر، عبدالشافي الأساسي بعيد عن مستواه السابق منذ فترة طويلة، كريم حافظ المستبعد لم يقدم ما يشفع له الاستمرار، فتم ضم أيمن أشرف الجوكر ليكون بديلًا في مركز قلب الدفاع أو الظهير الأيسر.

في 2006 كان المنتخب يضم الراحل محمد عبد الوهاب وطارق السيد، وكان هناك سيد معوض الذي لم يكن يقل عنهما وأصبح بعد ذلك من قوام المنتخب الأساسي. إذًا العناصر التي يلعب بها كوبر أقل من تلك إلى لعب بها شحاتة، هذا يجب أن يذكر من باب الأمانة والإنصاف.

لكن اللاعبين الذين يتدربون تحت قيادة كوبر يمكن الاستفادة منهم بشكل أفضل. لديه صلاح لم يضم المنتخب يومًا لاعبًا من أفضل خمسة لاعبين فى العالم، لديه اليوم صلاح الذي ربما ينافس رونالدو وميسى على الكرة الذهبية.

ليس صلاح فحسب، الرجل لديه أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي والتركي واليوناني، هو لا يستطيع أن يصيغ من قدرات هؤلاء شكلًا هجوميًا فعالًا وممتعًا أيضًا، كما ذكرنا لا تشعر أن هؤلاء اللاعبين تدربوا على جمل هجومية معينة حين تكون الكرة في حوزة المنتخب، لعب عشوائي يعتمد على اجتهادات اللاعبين الفردية بكل أسف.

نعم كوبر مخطىء وأراه مقصرًا في حق المنتخب المصري، ولكنه إذا كان جانيًا، فهو مجنى عليه أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد