تماديت بأحلامي ونسيتُ أن القدر مكتوب، كلمة كتبها شابٌ على واجهة سيارته، والكلمة تعكس سوء ظن بالله – قد لا يعي الشاب هذا المعنى لكن الكلمة تحتويه- أكثر ما تعكسه عن مدى اليأس الذي وصلت إليه روح هذا الشاب. القدر، القسمة والنصيب هم شماعة الإخفاق الجاهزة لدى كل عقل عربي، ما أن نفشل في تحقيق شيء ما حتى تنطلق هذه الكلمات نخدر بها أنفسنا، وندفع بها مسؤوليتنا؛ فتسكن ضمائرنا ولا تؤرقنا.

هل كل شيء نفعله في هذه الحياة مكتوب؟ الإجابة القاطعة نعم، لكن هذا لا يعني أننا بين خط مرسوم منذ البداية حتى النهاية، ولا دخل لنا في شيء، التسليم بهذا الأمر ينسف فكرة العدالة يوم القيامة، إذ كيف نحاسب على شيء كتب علينا ولا دخل لنا فيه؟! وهي شبهة قديمة جديدة لطالما قيلت، الشيخ الشعراوي -رحمه الله- يقول إن الأب يستطيع بعلمه البسيط عن أبنائه أن يخمن تصرفاتهم وهو غائب عنهم، فكيف بالعليم الخبير، إن علم الله عن خلقه هو الحقيقة ذاتها.

إن معنى القدر من المعاني التي يشوبها بعض الغموض لدى العقل المسلم، والحقيقة كما أن الإنسان مكون من جسد وروح، كذلك قدره هو مجموع بين اختياراته وعمله، وما هو مجبول عليه. إنها ثنائية الاختيار والجبر، عملك، واختيارك، وتصرفك تجاه ما تجبر عليه. هناك أشياء لا دخل لنا فيها، وهي أشياء في الغالب ترافقك منذ لحظة الميلاد، مثل: (آبائك، جنسك، بيئة الميلاد، اللون…) وهنا يكون اختبار عملك في ما اختاره الله لك.

اطمئن أنت بين يدي الله.

على الرغم من الأدلة التي تُثبت الأفعال إلى الإنسان والتي تثبت الجبر أيضًا، فإننا سنبدأ من نقطة الخلاف ونفرض بأن كل شيء مكتوب، وأننا ليس لدينا اختيار حر فيما كتب لنا أو علينا. إذا ما نظرنا يا صديق فيما تبقى من أشياء عمرك، رزقك وأشياء أخرى كتبت لك أو عليك، فهل هذا يعني أن القدر حتمي الحدوث ولا يتغير؟! الإجابة لا، إن القدر يتغير ويتبدل، لكنه يتبدل بعملك أنت، تأكد أنك لن تسعى لشيء ويمنعك الله، ولن تُمنع من شيء إلا عُوضت خيرًا منه، فاطمئن أنت بين يدي الله.

لكن ما الدليل على تغير القدر وعدم حتمية وقوعه؟! في البداية نحن الآن متفقون على أن القدر مكتوب وهو بيد الله، لكن أليس من خط القدر بقادر على تغييره؟ أعتقد أن الجواب نعم، وما الدليل على ذلك «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)» يقول السعدي -رحمه الله- في تفسيره عن هذه الآية يمحو الله ما يشاء من الأقدار، ويثبت منها ما يشاء(١).

هناك أدلة أيضًا من القرآن والسنة النبوية على تبدل القدر، ولنبدأ بسرد الأدلة من القرآن الكريم، ثم من السنة الشريفة.

أولًا القرآن الكريم:

لا شيء أكثر حتمية في اعتقادنا من العمر والأجل، لكن هل تعلم أن العمر يخضع لمبدأ التعديل والزيادة والنقصان، قد يكون كتب لك من العمر الثمانين أو المائة لكن يأتيك الأجل قبل ذلك، وكلا الأمرين في كتاب. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة فاطر «وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» وليس المقصود من الآية أن يرد الشيخ الكبير إلى صغير، لكن أن يزاد أو ينقص فيما تبقى من له من أجل.

ثانيًا السنة الشريفة:

في السنة الشريفة أحاديث كثيرة تتعلق بالدعاء والقدر، يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم- «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» ويقول أيضًا «(٣) الدعاء ينفع مما نزل مما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان -أي يصطرعان- إلى يوم القيامة» وفي هذا يقول ابن القيم – رحمه الله-: «إن هذا المقدور قدر بأسبابه ومن أسبابه الدعاء»(٢)، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أجله فليصل رحمه».

هناك أيضًا أحاديث مثل: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فييستجيب لكم»، وحديث عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله عاد -أي زار- رجلًا من المسلمين قد خفت، فصار مثل الفرخ، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم- هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟ فقال الرجل: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: سبحان الله! لا تطيقُهُ أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال فدعا الله له فشفاه.

في سورة الأنبياء تجد مسيرة حياة أنبياء تغيرت فقط بالدعاء، فهذا نبي الله يونس بن متي -ذو النون- «وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِين(٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ(٨٨)» وحتى تكتمل الصورة وتتضح الفكرة أكثر، نذهب إلى سورة الصافات «فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)» أي لولا دعاؤه واستجابة الله له لمكث في بطن الحوت إلى يوم القيامة، مما يعني أنه كان قد كتب له قدر في حالة الدعاء، وقدر آخر إذا لم يدعُ.

أخيرًا يقول الله تبارك في علاه في سورة الجاثية «وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(٢٨) هَٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)» إن الله يثبت لك أن حسابك موكول إلى عملك، وأن هناك ملائكة تنسخ ما تعمل، فادعو الله بما شئت، وثق بأن صلواتك ستجاب إما حقيقة، وإما جبال من الحسنات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد