1

منذ زمان محمد يونس القاضي، والذي استلم كلماته وقام بتلحينها العظيم سيد درويش، ومصر تقول «بلادي بلادي بلادي» تلك الكلمات التي اتُخذت من أحد خطب العظيم مصطفى كامل رحمه الله، ولحنها أول الذين أخذوا الطرب وسيلة لقيادة جموع الشعب، كان درويش يغني للشارع المصري ويقوده في كل المناسبات لثورته الخاصة، ثورة الفن، ولا عجب أن كان في نص النشيد مقطع مثل:

كم لنيلك من أيادٍ

ومن يعلم القصة جيدًا سيعلم حقيقة أن الكلمات والخيالات جميعها ليست إلا خطبة العظيم مصطفى كامل في أحد المناسبات، والتي كانت متزامنة مع جراح الشعب وهزائمه بين عثمانيين وإنجليز، واستدانة وأولياء الشؤم، ولكن ماذا حل بهذا الوطن المترامي الأطراف الذي لا يُختصر بسهولة تاريخه لكي تختفي ملامح هذا النص، كيف للطلاب الذين خرجوا في عام 1919 يقولون «سعد سعد يحيا سعد»، والذين خرجوا معًا في مظاهرة كوبري عباس في التاسع من فبراير من عام ستة وأربعين من القرن العشرين، إلى أن أصبحت دعوة وزارة التعليم العالي المصرية إلى القيام بتحية العلم المصري في أول يوم بالجامعات تلقى في قلوب الشباب والطلاب مقام الدعابة؟

من الصعب حقيقةً حكي كيف تحولت الرموز المصرية العريقة في خيال بعض المصريين إلى زواني وسكارى، وكيف أصبحت بعض التجمعات الشعبية في الماضي عبيد الاحتلال، وأن الوطن الذي نحياه اليوم كل فرد فيه يرى الماضي بصورة مختلفة تمامًا، لأن لكل فئة في الوطن أدبيات خاصة، يرى المسلمون في مصر أن سر انتصار حرب أكتوبر أن السادات لبى نداء الشعراوي بالصلاة مع قادة الحرب داخل الكعبة، وأن ملك السعودية له إسهام كبير في الحرب نتيجة استجابته لطلب رئيس مصر قبل الحرب مباشرةً، أما المسيحيون في مصر يعتقدون أن السادات قُتل لأنه قام بحبس البابا شنودة ستة عشر يومًا في أحد الأديرة، يرى العلمانيون أن السادات أسس نظامًا ديكتاتوريًا عن طريق المسبحة والمبخرة، أما الإسلاميون يعتقدون أن السادات أسس السلام مع إسرائيل لكي يسمح لها بأن تقوم بردع حركة المقاومة الفلسطينية، دائمًا هناك نظريات لكل الفئات.

ولكن الصدفة الغريبة، أن الوطن فقد – ولا تؤاخذ بالكلمة – رونقه في قلب مواطنيه، هنا في هذه الثلاثية، سأقدم شهادتي الخاصة، دفاعًا عن طلاب الجامعة الجدد في كافة المحافظات، وبالنيابة عن نفسي لأني أحدهم، لا بالنيابة عنهم جمعًا، من يرى أنني أضفت شيئًا ليس في قلبه فليكتب شهادته عليّ وعلى القضية، ومن يرى أن هناك أسبابًا أخرى يجب أن تضاف، فانا أعتذر لأنني غفلتُ عن بعض أركان القضية، هذا الجيل المتهم بأنه فقد الانتماء لبلاده، وتمثل سخريته من تحية العلم دليلًا قاطعًا على عدم انتمائه، أنا أحدهم، ولدتُ مع عام ولادتهم جمعًا، وعشتُ جميع مراحلهم الدراسية، أكلتُ وشربتُ من ذات الثروات، وعشتُ ذات الأحداث، هنا شهادتي عن أحد الأمين اللتين لم أخترهما يومًا، مصر، كيف يولد الطفل في نهاية القرن العشرين، وينضج ويكبر ولا يجد حيزًا في قلبه لوطنه في القرن الواحد والعشرين، هنا سأجيب، وأهم إجاباتي الثلاث «هوية منتهية الصلاحية».

2

نحن لم نلمس أي شيء مما شكّلنا سوى أيدي آبائنا فقط، والبعض منا لم يدرك أباه أو أمه، أو مات أحدهما أثناء أشهر التكوين وجاء هذا العالم يتيمًا، أذكر جيدًا أنني زرت المسجد الحرام والمسجد النبوي وحفظت مكة والمدينة قبل أن أدرك بعض الأماكن في القاهرة، وبالرغم من أنني أملك سكنًا في هضبة الهرم إلا أنني لم أقم بزيارة الأهرامات إلا مرة واحدة أثناء الإعدادية عندما هربت من المدرسة ضجرًا من المعلمين ومقاومةً لملل الحياة داخل أسوار المدرسة، ولأني قرأت جيدًا التاريخ المصري بعد الإسلام، لم أجد الهوية التي حدثوني عنها تلمس باليدين، لا أرى أين هؤلاء الذين ذكروا، ولا حتى ملامحهم في أيامي، أين المؤيد وأبوللون؟ كل ما تبقى من صحف الماضي في يدي الهلال وصوت الشرق التي أصبحت صوت الهند، والحمد لله لا يدين كان من الممكن أن تجد فيهما ثمن أحدهما في أثناء مراحل التكوين، ولا باعة الجرائد لديهم فكرة ما تلك الأشياء.

لا عجب وأنت تخرج من مسجدك بعد الصلاة لتجد باعة المسك الدّهان أو الذي نسميه «البلية»، لديهم بعض الكتب، والتي تتحدث عن الحجاب ودولة الخلافة والطب النبوي، مزيج غريب من الكتابات الحقيقية التي لها قيمة، والكتابات التي لا تملك أي قيمة، فمثلًا بجوار كتاب الطب النبوي الذي كتبه ابن القيم الجوزي ليستشهد بعادات الرسول وبعض فوائدها الطبية بشهادة أهل الطب في زمانه، يجاور كتابًا أصفر يتحدث عن شهيد الأمة داهية الزمان حسن البنا، ويجاورهما كتاب يتحدث عن كيفية الركض من الحسد، وأذكر ذات جمعة وجدتُ عند باعة المصاحف كتاب باسم «الجن المسلم»، كل تلك الأشياء تقول لك إن الدين أصبح تجارة، له منتجات ثابتة، من قال للعالم إن المسلمين يقرأون تلك الأشياء؟ وأن تلك البضائع التي بلا قيمة قد تُباع، إلا أن هناك زبائن لكل هذا، الجماعات التي نشأت في مصر في أعوام مختلفة ونتيجة لأحداث مختلفة، جعلت حتى الشعور بالهوية الدينية أصبح شيئًا من محاولة الرؤية في الضباب، لكي أشعر بهويتي كمسلم عليّ أن أبحث بحثًا طويلًا في داخلي وفي الإسلام نفسه، لا في المسجد ولا في الصلاة ولا في الأعياد ولا في ما نرثه بلا شعور من آبائنا، الهوية هنا غير واضحة.

حتى اسم مصر، مصر لم تكن تُسمى مصر من الأساس، من سماها مصر هم المسلمون الأوائل عندما دخلوها بقيادة القائد العظيم عمرو بن العاص، ولا أخفي حقيقة أني أحب اسم مصر عن الاسم الآخر، لأنني تشكلت عليه، ولدتُ فوجدتها مصر ولم أجدها الاسم الآخر وأحببتها هكذا، ولكن لا حبي يضيف ولا يخفي حقيقة «كيميت»، ولا حقيقة كيميت ذات سلطة على قلبي، ولا حبي لأحدهما يضيف لي في باب الورع والخشوع خطوة تقرب، بل إن الاعتراف بحقيقة أن مصر كانت تسمى كيميت هو عقلانية واعتراف بالعلم، وأن مصر الآن تسمى مصر وهو الاسم الأحق لها بشهادة أغلبية أبنائها هو وضع حسي وكما يسمونه «حكم الهوى».

باختصار لم يلمس أحدنا أي شيء من الحقيقة بشكل مباشر، نحتاج دائمًا للبحث، لكي نشعر بهذا الوطن، أذكر أنني كل مرة أثناء عودتي من أي مكان إلى وطني الحبيب كنت أشتاق إلى أول نفس أستنشقه، يستقبلني الناس بسخرية غريبة، يعتبرون هذا الحب من باب الكذب، ولكن حقيقةً حبي لمصر نابع لعمري كله، بحثتُ ودققتُ كثيرًا حتى رسختها في قلبي، ولكن هنا سأحكي كيف اندثرت المعلومات أمامي، وكيف أن النظريات التي تحيط الأجيال الناشئة في مصر تحديدًا تتعمد محو المعاني التي تشكلها، الذي يعيش في مصر لا يعلمها مسلمة أو مسيحية أو علمانية، ولا يعلمها عربية أو كيميتية، ولا يعلم اسمها كيف نشأ، لا يستطيع إدراك الجمال فيها، كل ما يراه أزمات الحريات وقمع الحكومات وفساد الأجهزة كلها، يرى قبل هذا النوع من القمع، والذي اعتبره قمعًا راقيًا، قمع أبيه وأمه، وقمع الذين سبقوه في السن، وقمع من استطاع أن يقمعه إن كان من سنه، مثل الذي يمتلك الكرة ويلعب معنا عنوة لأنه يمتلكها فقط، نحن امتلكنا فرصة أن نصبح عبيدًا أكثر من فرصة أن نصبح أحرارًا ندرك جمال أنفسنا ونشأتنا في هذا البلد.

3

مصر لم تتكون مثل باقى العالم قبائل أو فئات اجتماعية فقط، بل وأيضًا أعراق وأديان تتعايش معًا، ولحسن الحظ أنها تتعايش معًا في هذا التصور السلمي، حيث إن تعددية المجتمع المصري تجعله دائمًا عرضة بأن يأتي منه حرب أهلية، منذ أن أدركت حقيقةً أن جاري العزيز مسيحي، وأنه يُسمي «الجماعة النصارى» كما يسميه أهل الحارة، وكنت مُدرك تمامًا أن العالم ينقسم أمامي إلى فرقتين، ولأني كثير المشاهدة، لم أنتمِ في أي وقت لأي فئة، لم أكن محسوبًا من المسلمين في الصف لأنني كان لدي صديق مسيحي، ولم أكن محسوبًا من المسيحيين في الصف لأنهم جميعًا لم يروني ذات يوم بالكنيسة، وكان فقدان الهوية الدينية طبعًا محسوبًا في الأحاديث الجانبية للزملاء، إنما المدرسة فكانت من البداية تدعي أنها تعاملنا جميعًا مثل بعضنا البعض.

مع ذكر الأعراق، في مصر يعيش أكثر من عشرات الأعراق، يوجد في مصر من تبقى من العهد العثماني من الأتراك، وبعض الأكراد المهاجرين نتيجة ما حدث في مناطقهم، يوجد في مصر أيضًا أكراد منذ العهد العثماني الذين هربوا من الكوليرا وربط أواصرهم بمصر لقمة العيش، وعاش في جنوب مصر بعض البرابرة والبدو الأفارقة أو السودانيين وأهل النوبة ولكل تلك الأسماء ثقافة خاصة، وبعض الأنباط وممن تأثروا من ثقافة الأنباط في الشمال الشرقي أي سيناء، ويوجد لدينا في قلب الواحات واحة سيوة التي توجد فيها الثقافة الأمازيغية حية حتى هذه اللحظة، كل تلك الثقافات عاشت على القمع وعدم الاعتراف.

حينما تقرأ الجرائد اليوم ستجد أن النوبة لا تعاني من الإهمال فقط فقررت أن تثور وتعترض وتقدم شكواها وتلتزم باب تصعيد الأمور، بل إنها تعاني أيضًا عدم الاعتراف بحقها من قبل الدولة أولًا والمجتمع ثانيةً، وفي أي حال أنا هنا لا أناقش الدولة، انا أناقش المجتمع، ينكر الناس دائمًا خطوطًا عريضة وأصيلة في مصر، يعتبرونها غير موجودة تقريبًا لأنها ليست أغلبية، يتحدثون عن أمور تخص الجميع بدون أن يجلس على مائدة الحوار الجميع، وأكثر ما يوضح ذلك الأمر هي قضية قافلة العودة النوبية، حيث قرر بعض النوبيين أن يزوروا منطقة توشكا باعتبارها ملكية لهم وإرث عريق في ثقافتهم عاشوا في ظلالها مئات السنوات، لن أتحدث عن الحكومة أو الوعود، ولكن كلما تردد على أذني قول قافلة العودة في حوارات المقاهي، أتذكر تعليقًا «فيسبوكيًا» لشخص يسمى المحامي فلان الفلاناوي يقول: «أنتم لازم تنضربوا على مناخيركم بالكرباج زي العبيد من تاني»، هذا الشخص أبيض البشرة مسلم مصري عربي الثقافة، ابن الأغلبية بكل اختصار، لا يعلم أن هولاء البشر لهم حق في الوطن بالدستور والقانون، الدولة يا سيدي تعترف بحق المواطن ولكن المواطن لا يعترف بحق المواطن الآخر.

مصر الحديثة، لا تعيش أغانيها التي تحدثنا عن أننا يد واحدة، نحن نجتمع في خانة اللا حيلة فقط، إن تسلح المصريون فقط ستقوم الحروب، ولكننا جميعًا فقراء ونركض في ساقية لا تسمح لنا بأن نبدأ حروبنا الفعلية، كلها حروب كلامية وضغائن عابرة، ربما الحوادث فقط ما تجمعنا، إذ إننا نقف جميعًا بخشوع أمام الموت، ونتكفل حق تكريم الموتى، ولكن لا نكرم أحياءً، أقولها صراحةً إن مصر تحيا حياة عنصرية لم يشهدها أي وطن في أي يوم من تاريخ البشر، ولكن أيضًا في سمات شعب مصر الأصيلة حب حقيقي لكل أفراد هذا الوطن، ستلقاها لا محال في الشدائد عند أغلب الناس، ويصبح العنصرى صراحةً منبوذًا، ويغدو كل ذي ضغينة أو سوء طبع اتجاه الشخص الآخر محبًا وسندًا له، وهنا نقط أخرى يجب البحث فيها في الهوية الحديثة، كيف لا نعترف بالثقافات المبنية على المكان مثل النوبة والأمازيغية في سيوة والنبطية في شمال شرق مصر والبدو السودانيين أو البرابرة في الجنوب، وكيف في ذات الوقت نتعاطف معهم ونساندهم في الشدائد، ربما هنا نعود لقصة النشيد مرة أخرى.

4

لذكر بهاء طاهر في قلبي رجة ونبض خاص، أشعر دائمًا بكل الحروف التي يكتبها، أذكر أنني قرأت واحة الغروب أكثر من عشرين مرة، وهي التي توضح لك النقطة السابقة، كيف أصبحت مصر المجتمع الذي ينكر الجالسين على طاولة حواره الآخر، وكيف أصبحت مصر الشدائد، عندما تقرأ قصة الضابط المصري محمود عبد الظاهر، ستعلم حقيقةً أنه شهد ثورة العظيم أحمد عرابي، هذا البطل الغائب ذكره في كل موائدنا ومساجدنا، رجل وقف لرفعة كرامة وطن لم يتأهل بعد إلى ذلك، وقف العساكر والضباط صفًا ينتظرون الموت من جهتين، جهة الحُكام الأتراك الخونة، وأكررها لأن «الموضة» في هذا الزمان هو الحنية والحب لزمن الأتراك، جهة الحُكام الأتراك الخونة، والجهة الأخرى هي المدافع الوطنية، يجب أن أذكر جيدًا أن عرابي تم تكفيره من جهة الشيوخ والعلماء والجماعات الصوفية حتى لأنه وقف أمام الخديوي وقال كلمتها وقتها، والذي يجب ذكره جيدًا أن كل تفاصيل الرواية صحيحة من حيث البناء الاجتماعي، والذي سأتناوله في الفقرات الثلاثة الآتية:

لم يكن الشعب المصري يعيش في نظر الأحياء في مصر إلا في القاهرة والإسكندرية، أما البقية فقد تم احتلالهم، كل الذين يتنقلون إلى الصعيد أو الدلتا أو سيناء أو أي جزء آخر يتوقعه عقلك يصبح المصري فيه غريبًا، وفي بعض الأحيان عدوًا، ولذلك كان منطقيًا أن يكره الزجالة والأجواد في رواية واحة الغروب المأمور المصري محمود عبد الظاهر، وحينما يخطب فيهم بأنهم مصريون، يستهجنون الفكرة، أي أن أحد أسباب هزيمة عرابي لم تكن فقط قوة الإنجليز وجبروت الترك، بينما أيضًا غياب أفراد الوطن عن واجبهم، لأنهم لم يدركوا أو لم يعترفوا بأنهم جزء منه.

لم يكن الشعب المصري يعلم لنفسه هوية دينية حقيقة، ولكنه كان يعيش تحت راية الدين بدافع الخشية فقط، لم يكن المصريون حتى يتعلمون الدين بالشكل الذي يتخيله البعض، وإن كنت ترى غير هذا، كان من واجب أولى أن يدرك بالعلم فقط أن الخديوي إسماعيل خائن، وأن عرابي كان على حق، كان الشعب إذ وقف مع عرابي، لربما يموتون، ولكنهم سيكونون أشرف مما نقرأ الآن.

لم يأت التمصير إلا بأيدي الحركة الوطنية المعروفة في القرن العشرين، والحركة الأدبية، وكيف استطاع الشعراء من بعث وما يليهم من الشعراء والأدباء، والزعماء من مصطفى كامل وزغلول وغيرهم، تشكيل مصر الحديثة التي كل من يعيش فيها مصريون، أي أن اختصارًا كل من يعيش خارج القاهرة والإسكندرية لم يكن مصريًا إلا قبل مطلع القرن العشرين بأيدي الحركة الوطنية التي كانت تنادي بالتحرير، وأول من استقبل تلك الدعوات هم الطلاب المصريون، الذين لهم في تاريخ مصر الكثير من الوقائع والبطولات، والتي للأسف هي أيضًا ليست حديث الموائد والمجالس والمساجد في هذه الأيام.

5

الحقائق المُرة في تكوين المجتمع الحالى لم تتوقف هنا فقط، من الحقائق المُرة أن من القيم المصرية المفقودة هو التعايش، بالرغم من أن الدعوة الوطنية هي من كونت التمصير وضم الثقافات المختلفة مع احترامها والاعتراف بها وضمان حقوقها في الاستمرار والتعرف عليها وربط كل ثقافة بالأخرى، إلا أن بعد حركة 52 حدثت في مصر حوادث كثيرة صنعت أجواء القمع ونهضت فكرة الطبقية وإنكار الآخر نتيجة لبعض تصرفات الدولة، ومنها الآتي.

عندما قرر جمال عبد الناصر بناء السد العالي، قرر أن يمحو هوية النوبة وحقهم في الحياة، إذ إن تغير مجرى النهر يعني أن يمحي العديد من القرى، وبأمر من الدولة وتفويض من الشعب – ولا تأخذ عليّ قول تفويض اعتياديًا هكذا – قام بإغراق قرى النوبة التي حتى اللحظة تعيش في قاع النيل، ولم تكتف الدولة عبر تاريخها بتلك الحركة، بل أحد أسباب فوز حسني مبارك – إن لم يكن تزويرًا، ولا تأخذ تزويرًا عليّ – مشروع توشكا الذي يقوم في الأساس على أخذ ممتلكات النوبيين في الجنوب، وليت الأمر هنا فقط، هناك الإصلاح الزراعي الذي أخذ أراضي الصحاري من البدو بشتى ثقافاتهم.

لفترة طويلة كنت أتواصل مع الثقافات المختلفة في مصر، كنت أحدث أهل حلايب وشلاتين، وعرب الواحات، وقبائل الأمازيغ في سيوة، من ضمن الحقائق التي قيلت لي إن الدولة لم توفر هناك في أي يوم مستشفى حكومية، وبالتالي يلجأ المريض إلى السفر مسافات تقارب الخمسمائة كيلو أو يزيد لكي يعالج من أمراض مثل التيفود الذي مرضت به ذات يوم وعولجت منه عن طريق مستشفى الموظفين في إمبابة بكل سهولة ويسر عن طريق رحلة قصيرة في سيارة أخي المكيفة مدتها خمسة عشر دقيقة تقريبًا إن كان الطريق مزدحمًا.

والغريب أن مجلس الشعب والمعلق الكروي باسم الشعب أيضًا محمود بكر، لم يتحدث أحدهما ذات يوم عن إهمال الحكومة لتلك المناطق التي فقط لم تعرف بأنها أقليات وأنهم كثيرو الاعتراض على الحكومة ولهم العديد من القضايا، حتى أن الأمر وصل إلى أن محمود بكر ظل ينادي بقصة كوبري المشاة عند الإبراهيمية ولم ينادِ ذات يوم بمستوصف في حلايب، أنا حقيقةً لا أتحدث عن دور الحكومة كموضوع رئيسي، أنا أعلم جيدًا أن القصر العيني ليس طبيًا بالمعنى الذي يوده قلبي، ولكني أتحدث هنا أن المجتمع يمحو من قائمة المصائب من يعيشون معه لأنهم قلة، أنا لدي العديد من المستشفيات والوحدات الصحية التي لا قيمة لها، ولكنها تعني بعض العمى، أما الآخر يحتاج أن ينتقل من طب العصور الوسطى إلى أن يكون لديه عيادة واحدة في القرية!

6

بعد شواهد أننا نقمع الأقليات، وأن مصر متعددة الأيادي على النيل في ظروف غامضة أصبحت مجتمعا عنصريا طبقيا في أجوائه العادية، مجتمع يساند بعضه بعضًا في الشدائد فقط، علينا أن نذكر تلك الظروف الغامضة التي صنعت لنا هذا المجتمع الأبله، ولا تؤاخذني على قول الأبله، ولكني في الكثير من الأحيان أشعر أننا أتينا هذا العالم لكي يسخر منا القادمون في المستقبل، نحن نعيش على ما لا نفعل، ونؤمن بمقالات لا يمكن أن نراها فينا ولكننا نراها فينا، وإليك يا عزيزي القارئ بعض تلك الأشياء التي أنتجت لنا الواقع الحالي الذي نعيشه.

الحقيقة التي لا يمكن نكرانها أبدًا، أن مصر هي الدولة الوحيدة من ضمن الدول العربية التي تشكل حيزًا مهمًا ومصيريًا في مصائر كل الدول العربية، كل المغنين العرب يغنون بلهجتها، كل الشعراء مروا من هنا، كل الكُتاب يهتمون بنقاد هذا البلد، وذلك يعود إلى أن أي محتل في البداية يهمه أن يحتل مصر أما البقية سيأتون تباعًا بكل سهولة، مصر مدخل الشام ومدخل السودان والمغرب الإفريقي معًا، وهي أيضًا إذا نهضت نهضت بهم، كانت مصر في العصور المملوكية أكثر وحدة حتى أتت سفن المحتل العثماني أو الفاتح العثماني إذ كانت من الجماعة، المهم أن مع الاحتلال العثماني أو الفتح العثماني بدأت فكرة السقوط الاجتماعي وفقدان مصر معناها السابق.

إذ إن من عهد بني عثمان في دول العرب، حتى بدايات الحركة الوطنية، لم يكن يعيش خارج تركيا الصُناع والحرفيون والكُتاب والشعراء، لم يكن هناك تعليم بمعنى تعليم في الولايات الأخرى، الأزهر انتقل من الرياضيات إلى كُتاب – على الواسع – ومن كان في مقام الأزهر في تونس وغيرها كان يسير فيه ذات الأمر، وباختفاء التعليم والعلوم الدنيوية كان يزداد عدد أولياء الله الصالحين والمقامات والطرق الصوفية وأصبحت الدول غارقة في الظلام الحديث منذ ذلك العهد.

وأصبحت مهمة الحُكام في الولايات أن يتكفلوا بجمع الضرائب التي توفر لدولة بني عثمان بطولاتها الفارغة وحروبها التي بلا معنى بالنسبة لهؤلاء الكادحين والفقراء الذين لم يأكلوا مما يزرعوا حتى، وعلى الرغم من عظمة ملك بني عثمان في بلادهم تركيا، إلا أن العكس تمامًا كان في مصر والشام وغيرها من البلاد، إذ إن بني عثمان لم يكن يهمهم غير التوسع والغزو وإن أسميته فتحًا ونشرًا للدين، واستمرت حروبهم على كدح وعرق جبين هؤلاء الفقراء قرونًا، ونتج عنه سقوط مجتمع مصر إلى مجتمعات صغيرة وبلا معنى حتى قيام الحركة الوطنية من بعد عرابي.

7

ما صنعته الحركة الوطنية هو أنها أعطت للإنسان قيمة، حيث إن الحياة قبل الحركة الوطنية كما ذكرت في ذكر رواية واحة الغروب، والحياة بعد مطلع القرن العشرين وحركة 19 وقيام الثورة بجموع الشعب المصري كما ذكرت في مقدمة المقال، كانت نتيجة في الأساس لما صنعته الاحتلالات، يقوم الاستعمار على أن ينسيك ذاتك، يجعلك تقتنع أن المحتل بشري من نوع وأنت بشري من نوع آخر، وهولاء هم أكرم المحتلين، هناك من يصرح لك أنك لست بشرًا، وهؤلاء يا عزيزي المحتلين باسم الله، حيث إن تو اللحظة يعيش أحدهم على أرض فلسطين ويعتبر ذلك بأمر الله ويعتبرنا أغيارًا وغويم.

بعد تحرير مصر بوعود بريطانيا الأربعة، كان الجيش المصري تتأهب فيه حركة الضباط الأحرار، تزامن كل هذا مع حركات التهجير اليهودية لفلسطين، وثورات ومؤتمرات الفلسطينيين ضد المعتدي البريطاني وحركات التهجير المتسمرة، وإن كنت لا تعلم، منذ عام 1909 يتم احتلال فلسطين بالتدريج، في تلك المرحلة من عمر المصري، تكون الحس العربي مرة أخرى، وتكون في المصريين حس التجمع والتعايش مع الآخر من أجل الوقوف أمام الاحتلال.

ظهرت حركة الضباط الأحرار مع حركات تحريرية أخرى في تونس وغيرها، وصعدت اليسار ومن ادعى أنه ينتمي لليسار مثل جمال عبد الناصر ونشأت عداوة بين دول الخليج والجمهوريات العربية نظرًا لاختلاف الأيديولوجيات، وبالتالي تكون في مصر عقلية بعيدة عن العقلية الإسلامية الوهابية لفترة ليست بالقليلة، مع ظهور شيوخ الدعوة وشيوخ الأزهر وشيوخ الجماعة، وأدبيات كل هولاء، في عهد عبد الناصر كان الإعلان الأزهى لكل أنواع المسميات الدينية، مع هبوط ملحوظ للاتجاه الصوفي، والذي بات اليوم من باب الفلكلور ذكره.

مع ثورة الخميني، والنكبة، وتغير بعض التفاصيل الأدبية في القارة الإفريقية ومصر، نشأت يا عزيزي مصرنا الحديثة المفقودة، مصر اليوم ابنة للسبعينات ونصفها الأخير بالتحديد، حيث إن ثورة الخميني أنشأت الصحوة الإسلامية السياسية، والنكبة أسقطت اليسار في الوطن العربي بالكامل، وفوز وولي شوينكا بنوبل كأول إفريقي جعلت العالم الإفريقي يخرج من صمته إلى الأبد، وأصبح العالم يرى إفريقيا المنعزلة بذاتها نظرة مختلفة، وهنا انضم إلى تغيرات الهوية الحيز الفني.

8

مع إرث الجهل في العهد العثماني، والتغيرات الثقافية بين الثورات والحركات والأحداث العربية والمصرية، نشأ جيل ما قبل حسني مبارك، هم الآن يملكون عمر الخمسين والستين عامًا، هؤلاء الذين عاشوا بين الدين والمدنية، عاشوا علمانيين أو إسلاميين، وهنا نشأت نظرتان لمصر، بعضهم حكموا البلاد فعليًا، وبعضهم عاش في السجون.

لكل هؤلاء نظرياتهم حول الوطن، جميعهم يعبرون عن أنفسهم، جميعهم يقولون لنا ما هي مصر، جميع هؤلاء يملكون أسبابهم، ونشأت نتيجة لغياب الحوار في عصر جمال والذي ورثه عنه السادات وحمله وسامًا على صدره مبارك بعهده المبارك، أصبح هؤلاء جميعًا يعيشون، لهم اسمهم ولهم ملامحهم وأفكارهم المقدسة، كل هؤلاء لهم نشيد غير الآخر عن مصر، سمعت بأذني نشيد الوطن السلفي، وسمعت بأذني من يتندر على كلمات مصطفى كامل زير النساء، كل هؤلاء مصريون بالاسم فقط، ولكنهم لم يكونوا ذات يوم مصريين.

كل هذا المقال لكي أوضح لك كيف نشأ النشيد، وقف السيد العظيم مصطفى كامل موحد الشعب المصري، وهو لم يكن وحيدًا بل هناك الكثير من الموحدين، رأى في أعين المصريين دمعهم، قال قوله الذي أحفظه عن ظهر قلب، أشعل فيهم الفخر، رفعة الجباه، عزة الأنفس، الكبرياء، وإذا بأحد أبنائه ينشده شعرًا ونشيدًا وطنيًا أسماه «نشيد الحرية»، منذ الثمانينات من القرن الماضي اعتبرناه نشيدًا لنا، وعندما أذن الله أن ينمو الوطن، وأن يزداد عدد أبنائه، عادوا قبل عهد مصطفى كامل باشا، أصبحوا قبائل وطرائق شتى، لا يعيشون معًا، وإذا بهم جميعًا لا يشعرون بكلماتك يا سيدي.

هنا أقدم لكم بعض أسباب شهاداتي على تحية العلم المصري، لم أقل الشهادة حتى هذه اللحظة، الشهادة لها سرد أطول، ومن عاشت مصر في قلبه، لها في قلب من عاشت في قلوبهم ألم أشد من ألم آدم مذ خرج من الجنة، هو ألم الإدراك الذي من رحمة الله على آدم لم يجعله يشعر به كاملًا، إذ إن آدم يوم أن طرد من الجنة لم يكن يعلم حقيقةً ما مرارة الحياة في الأرض، أما نحن علمنا أن الجنة أفضل، وأننا أتينا هنا بسبب شهية آدم في الخلود والتفاح معًا، نحن أدركنا أكثر من آدم بخطوة، وأصبحنا نحمل في قلوبنا ألمًا أكثر منه، على أي حال هذا الكلام المختصر عن مصر، يوضح لك كيف تجمعنا في هذا النشيد، وكيف يظهر لنا هذا النشيد تفرقنا، المقالة القادمة «إني لا أنكر ولكني أتجمل».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد