بالطبع ليست مصر الآن هي التي أحببناها من قبل بشدة، فبادلتنا نفس ذلك الشعور بصدق، صدق الأب تجاه أبنائه، لم تكن مصر في السابق أو  كما “توهّمنا” نحن، حاضنة لهذا الكم الكبير من هؤلاء المرتزقة الذين لا يريدون لها أن تتقدم خطوة واحدة للأمام.

بالأمس مشهد عجيب، نهاره وموقعه برلمان نواب الشعب، وأبطاله كومبارسات أو إن جاز لنا أن نطلق عليهم ”دمى ماريونت” استخدمهم نظام كاره للثورة في عمل مشهد ارتجالي عبثي على خشبة مسرح عتيقة عمرها يمتد إلى أكثر من ستين عاما.

لم تشهد مصر في تلك الأعوام خيرا، اللهم باستثناء نصر وحيد طرد فيه الإسرائيليين من سيناء، وهم الذين أتوا بهم من قبل إلى أراضينا بعد أن تركوا لهم جنودنا لقمة سائغة مسلحين بأقل العتاد، وتحت إصرار قائدهم الملهم وعنجهيته آنذاك على تحقيق مجد قومي بائس صار إلى زوال.

تلك المسرحية التي يتقاسم فصولها المنتفعين من أصحاب الحسابات البنكية الكبيرة في أوروبا ودول الغرب مع قيادات الجيل التالي لجيل كامب ديفيد المشئومة، ممن لم يشهدوا حربا  قط في تاريخهم، اللهم حربا وحيدة ضد قائد عربي أشمّ تحدى العرب جميعهم أن يطلقوا بعده الصاروخ “الأربعون” على إسرائيل!

لم يتعلم هؤلاء في حياتهم ولو لساعة قيمة حب الوطن أو الحفاظ على أرواح أبنائه، ترى كبيرهم أو كما صدّروه لنا يخرج علينا في احتفالية هزلية أطلق عليها اسم ”يوم الشباب” ابتدأه بقتل مجموعة من الشباب في أماكن عدة، أي هزل يُقبل بعد هذا الهزل، وأي حديث يصلح مع هؤلاء الشباب الذي يعتقلهم كل يوم هذا الكائن ويبني من أجلهم السجون.

ونعود إلى المشهد السابق مسرحية البهلوانات أو دمى الماريونت أو قل تجاوزا “برلمان المصريين”2015 في أول مشهد له، ذلك البرلمان الذي يعلم القاصي والداني أنه صنع لأجل تقليص قوى تأثير بعض مواد الدستور التي قد تستخدم لمحاسبة الرئيس ولأجل توسيع صلاحياته من جانب آخر، يحلف أحدهم على زميله الرافض أداء القسم الدستوري على النحو السليم بأنه سوف يطلق زوجته إن لم يستجب له ويلتزم بالقسم الدستوري.

أي قسم دستوري وأي برلمان هذا الذي يعقدونه، هذا برلمان سفك دماء المصريين وقتل المعارضين وخطفهم والتنكيل بهم، برلمان معاداة ثورة يناير، يغير أحدهم صيغة القسم لأنها تعبر عن دستور يضفي بعض الشرعية على ثورة يناير التي يعاديها، أي قبح هذا الذي يفعلون، ويتوهم بعضهم داخل البرلمان ممن كان لهم للأسف صوت مسموع إبان الثورة أن ذلك البرلمان أقيم لأجلها.

”ضحكات هستيرية ساخرة “!

أي برلمان ذلك الذي ضم تحت مظلته أشخاص مثل ”العكش” أو”مورتا” أو الخبير الإستراتيجي”الأشهر” في عداء ثورة يناير، ومعينين من عينة ”طبيب الكفتة”!  هذا ليس ببرلمان هذا مثلما قال عادل إمام في أحد أفلامه عباراته الشهيرة ”مسخ” نحن في زمن المسخ.

ليست هي مصر التي أحببناها فعشقتنا وضمتنا إليها كثيرا بحنان، ليس تندرا  على زمن ولّى أوانه لا سمح الله ”أعني مبارك”، ولكن في الحقيقة مبارك كان يملك الحد الأدنى من الذكاء العقلي فكان يناور المعارضين ويلعب معهم “المساكة” أما هذا ال”سيسي” فلم ألمح في وجهه علامات حقيقية تميزه إلا علامات يعلمها معظمنا كرجال وتكرهها النساء في أي رجل تراه.

ذلك الفيلسوف الطبيب المداوي لكل جرح كما شرح نفسه سابقا  ”ضحكات ساخرة شريرة”، مع العلم أن الجراح لم نرَ لها في عصره مثيل، على يده قُتل المصريون وعذبوا وقهروا وأجبروا على الصمت في الشوارع والميادين بعد أن منحتهم الثورة حق التعبير بكرامة. ذلك الصمت الذي لاشك أنه سيكون أول الأبواب للانفجار الشعبي الوشيك.

مصر التي أحببناها وأحبتنا، هي مصر التي حلمنا بها جميعا يوم أن فتح الله علينا في يناير فأزحنا رأس النظام وفشلنا للأسف في تغيير النظام نفسه. هي مصر قبل التنحي ال 18 يوم الأجمل في عمرنا وأعتقد في عمرها. مصر الأبية الشريفة الخالية من كل المنتفعين والمرتزقة والجهلاء وهؤلاء الذين يبسطوا أيديهم عليها تحت كل دعوى زائفة، مصر العلماء، مصر العلم،  مصر التقدم والتطور، مصر الكفاءة، مصر الحديثة، مصر الرائدة، مصر الحرة.

تعالوا نبحر سويًا في كلمات الشاعر الجميل سيد حجاب في حب مصر :

حبيبتي من ضفايرها طل القمر .. وبين شفافيها ندى الورد بات
ضحكتها بتهز الشجر والحجر .. وحنانها بيصحي الحياة فى النبات

حبيبتي بتعلمني أحب الحياة .. من حبي فيها حياتي شمس وربيع
والحب فى الدنيا دي طوق النجاة .. لولاه يضيع قلبي المحب الوديع

يا حلوة يا بلدنا يا نيل سلسبيل .. بحبك إنت رفعنا راسنا لفوق
لو الزمن ليِّل ما يرهبنا ليل .. شوقنا فى عروقنا يصحي شمس الشروق

للحلوة قلب كبير يضم الولاد .. وزاد وزوادة وضلة وسبيل
الموت والاستشهاد عشانها ميلاد .. وكلنا عشاق ترابها النبيل

يتبع بإذن الله.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد