من خلال الرسالة التي أعلن بها رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة للمرة الخامسة على التوالي يمكننا تحديد كثير من نقاط الحراك السياسي الواقع في أعلى هرم السلطة للفصل في ترشيح الرئيس من عدمه، وعلى رغم التزام الصمت من طرف كل القوى السياسية موالاة كانت -وهو مفهوم- أم معارضة وتحاشيها التصريح فيما يخص الصفقات التي عقدها أو حاول أن يعقدها الرئيس -أو في حالته الصحية هذه من يمثله- إلا أن هذه الرسالة حملت في طياتها كثير من التفاصيل حول هذه الصفقات سواءا كانت مع أفراد أو مؤسسات لأجل الإلتفاف حول ترشحه أو كما أشار في رسالته «حول توافق وطني وسياسي».

1- عدم اتفاق كل التيارات داخل دواليب الحكم على ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو ما جعله ولأول مرة منذ توليه الحكم في الجزائر يظهر بهذا الارتياب والخوف من النتائج التي قد تؤول لها الانتخابات القادمة، وذلك ما نلمسه في تأكيده لحالته الصحية الصعبة -وهو الذي تجنب طول هذه المدة مجرد التصريح عنها-، ليواصل بعدها محاولة استعطاف الشعب حين يخاطبه قائلا أن «كل امرئ يمكنه التعرض له -المرض- في يوم من الأيام». في نفس الوقت يظهر هذا الارتياب من خلال التنازلات التي قدمها حين وعد بعقد ندوة وطنية تكرِّس تحقيق التوافق وتعدل حتى الدستور. وإن كان قد سبق له تقديم وعود مشابهة تحت ضغوط كبيرة بعد احتجاجات المواطنين في يناير 2011 والظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها المنطقة من خلال ما يسمى بالربيع العربي ليعود ويلتف عليها بعد هدوء الأوضاع وهذا ما يدفعنا للاعتقاد أن الضغوط التي يمر بها اليوم لا تقل شدة عن تلك التي كانت في 2011 بل تعدتها.

2- التوافق المرحلي ما بين جناح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وجناح نائب وزير الدفاع القايد صالح بعد الصراع الطويل الذي عشنا مختلف حلقاته ضمن تصريحات مبطنة من الجانبين وخاصة الجيش-كون الرئيس لم يوجه خطابا منذ 2012-، إضافة إلى التناقضات الملموسة في مختلف مستويات إصدار القرار. ويعود هذا التوافق إلى وجود ما يعتبر خطرًا مشتركًا على الطرفين والمتمثل في اللواء المتقاعد علي غديري؛ حيث إنه يعتبر منافسًا للرئيس بوتفليقة في الانتخابات القادمة إضافة إلى أنه ممثل لجناح طالما حاربه نائب وزير الدفاع القايد صالح، ونتكلم هنا عن جناح رئيس جهاز المخابرات الجزائري (دائرة الاستعلام والأمن) السابق، محمد مدين، المشهور باسم الجنرال توفيق. وإن كان اللواء المتقاعد علي غديري قد نفى أن يكون الجنرال توفيق هو من يقف وراء ترشحه، إلا أن تقريرًا لصحيفة Mondafrique الفرنسية بتاريخ 18 يناير 2019 يؤكد أن اللواء المتقاعد عقد اجتماعًا مع الجهاز الأمني الأمريكي في السفارة الأمريكية بباريس بصفته مرسلًا خاصًا للجنرال توفيق، إضافة إلى اللقاء الذي جمع اللواء المتقاعد علي غديري مع صاحب إمبراطورية الزيت والسكر يسعد ربراب مباشرة بعد ظهوره لأول مرة مرشحًا في منتدى جريدة ليبرتي المملوكة أصلًا لنفس رجل الأعمال يسعد ربراب المحسوب عند كثيرين على جناح الجنرال توفيق.

3- الدستور سيطرأ عليه تعديل عميق وهام لتحقيق التوافق الذي جاء ذكره في الرسالة أكثر من مرة كعبارة تأكيدية للضمانات، فعلى سبيل المثال دعم وسكوت نائب وزير الدفاع القايد صالح لن يكون مجانيًا بل إن التعديل سيمنحه من الصلاحيات ما لم تمنح لأي قائد أركان قبله، إضافة إلى إمكانية استحداث منصب نائب رئيس الجمهورية ويكون صاحبه واحد من المقربين أو على الأقل المحسوبين على جناح نائب وزير الدفاع. كما أن نفس الطريقة ستنتهج مع كل الواقفين وراء العهدة الخامسة على غرار الوزير الأول والأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي.

4- أصبح واضحًا جدًا ماهية الاجتماع السري الذي عقده رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري مع أخ ومستشار رئيس الجمهورية سعيد بوتفليقة والذي لم يكن ليكشف لولا مقال مجلة le jeune Afrique؛ حيث أنه وبعيدًا عن كل السيناريوهات المصرح بها من طرف رئيس حركة مجتمع السلم، أصبح من الواضح أن أخ الرئيس كان يحاول عقد صفقة مع الحركة لكي يكسب دعمها للعهدة الخامسة أو على الأقل حيادها، إلا أن الحركة لن تستطيع الموافقة على دعم العهدة الخامسة في ظل أنها ما زالت تحاول التبرؤ من كل ما كان خلال مشاركتها في التحالف الرئاسي لتبقى أمام خيارين:

  • أولهما إذا اتفقت المعارضة على مرشح توافقي تعقد الحركة مجلس شورى جديد تدعم فيه هذا المرشح وينسحب رئيسها من المشاركة في هذه الانتخابات. وهو ما سيحسب لها قرارًا جريئًا يخرج عن سياق القرارات المتخذة من طرفها خلال العشريتين الأخيرتين إذا ما حدث.
  • ثانيهما أن تتحجج بترشح عبد العزيز بوتفليقة وتعقد مجلس شورى لتقاطع الانتخابات كونها لا تريد المشاركة في هذه المهزلة الانتخابية وتكون بذلك قد نفذت ولو جزء بسيط من الصفقة حين لم تشارك ضد العهدة الخامسة، وهو ما سيترجم فيما بعد بفتح المجال لها لكي تتواجد وبقوة في الندوة الوطنية التوافقية لتعديل الدستور الحالي، وربما حتى التواجد بوزراء في حكومة ما بعد التعديل الدستوري.

5- النبرة التخوفية الظاهرة للرسالة والدعوة لتغليب ما يجمعنا على ما يفرقنا، من جهة، وظهور علي غديري بكل تلك الثقة وتهديداته المبطنة، إضافة إلى جمعه ما يقارب 100 ألف توقيع في ظرف مدة قصيرة من ترشحه، من جهة أخرى، يؤكد أن القوة الداعمة والواقفة وراء ترشح اللواء المتقاعد قوة لا يستهان بها على الإطلاق، بل إنه يمكن لها التسبب بكثير من الأضرار على غرار تحريك بعض المناطق كبجاية وتيزي وزو -لا أتهم هنا المنطقتين بشيء ولكن كونهما المنطقتين الأكثر تواجدًا لمن يدعمون يسعد ربراب ولمن يدعمون الماك الذي سيلعب دورًا أساسيًا في هذه الانتخابات- أقول تحريكهما بحجة الوقوف في وجه الخامسة ولكنه في الأصل سيكون لدعم المترشح علي غديري، خاصة عند من يكون لديهم صراع الثنائيات؛ يعني فليكن الشيطان ولا يكن بوتفليقة.

إن رسالة الرئيس تدفعنا للاعتقاد أنه إذا لم تتفق المعارضة على مرشح واحد يمثل كل أطياف المجتمع فإننا سنوضع أمام خيارين أحلاهما مر؛ وهما إما أن نكون داعمين للرئيس عبد العزيز بوتفليقة وبالتالي داعمين للعهدة الخامسة وكأن الجزائر عقمت من الرجال، وإما أن نكون داعمين لمرشح الدولة العميقة، عسكري الأمس صاحب البدلة المدنية اليوم. ويبقى في الأخير أسوأ السيناريوهات أن تتفق المعارضة على دعم اللواء المتقاعد علي غديري وتقديمه في صورة المخلص، حينها لن يبقى لنا إلا أن نمتثل لقول الأجداد في المثل الجزائري «ناكل الخبز البايت ولا اسفنج الشمايت».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد