عمود الديمقراطية والحرية هو الانتخاب. النظام الديمقراطي نظام مبني على حكم الشعب، حكم الشعب لا يتم إلا عن طريق تدخل الشعب في صنع القرارات والتشريعات والقوانين. إن الطريقة المتاحة في ضوء التضخم السكاني الذي يشهده العالم اليوم هي وضع مجالس نيابية تقوم بمراقبة السلطات وبتشريع القوانين والعديد من الأمور السياسية في البلاد. إن الممثلين في البلاد والنواب هم الوجهة الرئيسية للدولة وهم بمعنى آخر الشعب نفسه. إن تولي مجلس النواب والأعيان والعديد من المجالس الأخرى في البلاد للسلطات هو المعنى الحرفي لسيادة الشعب. سيادة الشعب تتم عن طريقين أولهما هو مباشرةً عن طريق الشعب نفسه، وهذه الطريقة تكاد أن تكون مستحيلة التطبيق في الوضع الحالي، أما الطريقة الثانية فهي عن طريق تمثيل طبقات المجتمع وأصحاب الحرف للشعب بالمجالس المختلفة.

عندما يمسك الشعب بزمام الأمور في الدولة وعندما يغتنم فرصة تشريع القوانين ومحاسبة السلطة التنفيذية، فإن الديمقراطية تتحقق. الحكم الفعلي والحقيقي للشعب لا يتم إلا عندما يتدخل أفراد الشعب تدخلًا حقيقيًا و فعليًا في الانتخابات لأنها هي أساس وجود الديمقراطية، سأشرح عن النوع الأول من الديمقراطية ألا وهي الديمقراطية المباشرة.

الديمقراطية المباشرة هي شكل من أشكال الديمقراطية يتم فيها التصويت على القرارات مباشرة من خلال الشعب ودون الحاجة إلى التوسط إلى طرف آخر مثل مجلس الأعيان أومجلس النواب أو مجلس الشيوخ أو أي نوع من تلك المجالس. كان هذا النظام سائدًا في القرون التي قبلنا في بعض الدول مثل أينا، إلا أنه الآن غير سائد إلا في سويسرا، فنظامها السياسي قريب جدًا من هذا النوع من الحكم.

يمكن لعمليات إصدار الأوامر التنفيذية، تشريع القوانين، انتخاب وإقالة المسؤولين، وإجراء المحاكمات أن تخضع للديمقراطية المباشرة، وذلك يتم بطريقة صعبة جدًا نظرًا لزيادة عدد السكان بشكل كبير.

تسمح الديمقراطية المباشرة بثلاثة أشكال من العمل السياسي: الاستفتاء، الاستدعاء، والمبادرة. تمكن الاستفتاءات المواطنين من رفض أي قانون أو تشريع غير مرغوب. وتسمح المبادرات باقتراح مشاريع قوانين تقدمها جماهير العامة. كما توفر الاستدعاءات إمكانية إقالة أي مسؤول رسمي (حكومي) قبل انتهاء ولايته، حيث يعتبر المسؤولون عملاء تنفيذيين، أو ممثلين مباشرين (مفوضين) ملتزمين بإرادة الشعب لا بإرادتهم. المسؤولون التنفيذيون ليسوا إلا نوابًا عن الشعب يمتلكون السلطة والتي من خلالها ينفذون مطالب الشعب.

إن سلبيات هذا النظام تتمثل في عدة أمور، سأذكر الأكثر سلبية منها:

1- استحالة الأخذ بها كنظام للحكم في الدول المعاصرة لكثرة عدد السكان في أي بلد مهما صغر حجمها، ولصعوبة تجميع ذلك العدد الهائل من السكان في مكان واحد للتصويت.

2- لتفرع وظائف الدولة في الوقت الحاضر، فالحكومة المتقدمة حكومة متشعبة عليها مسوؤلية التقدم بالمجال الاجتماعي والاقتصادي والدبلوماسي وليس فقط بالمجال الداخلي للدولة. كما أن التعقيد في شكل الحكومات الحالي لا يسمح بأن يتدخل عدد كبير من الأشخاص في كل شيء، بل يجب تبسيطه من خلال السماح لعدد معين من الأفراد بالتدخل في كل شيء.

3- عدم وصول الكثير من أفراد الشعب إلى الوعي السياسي وإلى النضج الفكري والذي بوجودهما يعطي الإنسان القدرة على التفكير الصحيح واتخاذ القرارات الصائبة.

النوع الثاني من الديمقراطية والذي سأتحدث عنه الآن هي الديمقراطية غير المباشرة وهي الأسهل تطبيقًا وتعطي لنا الفرصة لاختيار مجموعة من الشعب ويحق لأي مواطن من أفراد الشعب يكون منهم، في أن يمثلوا الشعب أمام السلطة التنفيذية والحكومة. فكأننا نوحد مجموعة كبيرة من المواطنين في فئة قليلة. النوع الثاني من الديمقراطية يحتاج إلى مواطنين قادرين على تحمل المسؤولية ولديهم وعي سياسي بسيط عن «اختيار الممثل المناسب».

عندما ندمج فئتين من الشعب، الفئة الأولى هي التي عليها مسؤولية الاختيار، والفئة الثانية هي التي يجب أن تكون مختارة، سنحظى بفريقين يعملان بشكل متكافئ لتحقيق أقصى أنواع الرخاء والسلام للبلاد. الواجبات التي على الفئة الثانية القيام بها هي نفسها متطلبات الفئة الثانية. إن الفئة الثانية مسؤولة مسؤولية تامة عن تحقيق متطلبات الفئة الثانية، ويجب عدم انقطاع الصلة بين المنتخب والناخب حتى إن وصل المُنتخب إلى منصب النائب.

على النائب أن يمثل الأمة وليس الناخبين له. على كل نائب أن يمثل كل الشعب وليس فقط الطبقة التي جاء منها أو دارته الانتخابية أو المقاطعة التي جاء منها. في بعض الأحيان، يحصل تضارب بين النواب وذلك بسبب اختلاف قناعات كل منهم. بعض النواب يرون في واجباتهم أمور عليهم القيام بها لتحقيق المنفعة للناخبين الذين انتخبوهم. قد يكون لتلك الواجبات أثر سلبي على النواب الآخرين. فمثلًا بعض النواب يطالبون برفع قيمة الضريبة لأخذ أموال بشكل أكبر من أصحاب روؤس الأموال وإعطائها للمحتاجين وللأقل منهم قدرة ومالًا، بمعنى آخر، لإعطائها للطبقة الأدنى. في الجانب المعاكس، يرى بعض النواب أنهم عليهم تخفيض الضريبة عن الناس وعن الأغنياء، لأنها باعتبارها حقًا لهم، وباعتبار الضريبة طريقة لسرقة أموال الأغنياء من قبل الحكومة. فمثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية، يرى الحزب الجمهوري بأن على الحكومة الفدرالية أن تخفض الضريبة على الأغنياء كي تتيح للأغنياء قدرًا أكبر من الأموال والتي يمكن بها فتح مشاريع أخرى من قبل رجال الأعمال وأصحاب الأموال. في نظر الحزب الجمهوري، كلما كثر مال شخص معين وكلما ازدادت ثروته فإن قدرته على فتح المشاريع الأخرى ستزيد وبالتالي ستزداد الوظائف في الوطن وسيزداد عدد العمال مما سيخفض نسبة البطالة.

لدى الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية نظرة مختلفة بطريقة جذرية. يرى الحزب الديمقراطي بأن رفع قيمة الضرائب على الأغنياء ورجال الأعمال هي الطريقة المثلى والتي يمكن بها تقسيم الأموال بصورة عادلة بين طبقات المجتمع. بالنسبة لهم، للفقراء حق على الأغنياء ويجب وضع نسبة ضريبة أعلى من التي يريد الحزب الجمهوري وضعها، وذلك ليس إلا لإعطاء الفقراء حقهم الكامل من أموال الأغنياء.

كثيرًا ما يحدث داخل مجلسي النواب والشيوخ الأمريكي تضارب بين أعضائه وذلك لاختلاف معتقدات كل نائب فيه. فالبعض يرى في أن تحقيق مصالح دائرته الانتخابية هو أهم عمل لديه في المجلس، والبعض الآخر يرى الأمر كذلك ولكن بسبب اختلاف مصالح الأفراد قد يحدث أحيانًا خلافات داخل المجلس والتي ينعكس أثرها السلبي على الأمة بأكملها وعلى الوطن بأكمله.

على النواب أن يمثلو مطالب الأمة أولًا كشكل رئيسي، ومن ثم بعد تحقيق مطالب الأمور علينا أن ننتقل إلى المرحلة الثانية ألا وهي تحقيق مطالب الأفراد بشكل خاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد