إن الإيمان بالمعرفة والثقة فيها كطريق للعلم الأساسي لأي كيان فكري يتوخى إقامة فلسفة أو تصور عن الكون والإنسان وخالقهما، فالبحث في المعرفة ضرورة ومطلب لا بد منه في أي حركة ثقافية وعمل فكري؛ إذ إنها تشكل الجسر الذي يصلنا بمكونات العالم.

والمعرفة الإنسانية بمعناها الواسع قد «شكلت موضوعًا للبحث والدراسة منذ القدم، لاسيما وأنها تمثل شكلًا من أشكال الثقافة، وعنصرًا من عناصر الفاعلية البشرية، فهي مرتبطة بالفعل الإنساني، ومشروطة بقوانين التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والمعرفي، ويكتسب الإنسان خلال عملية المعرفة جملة من المفاهيم الخاصة والمبادئ التي يستعملها في نشاطه العملي والعلمي من أجل فهم الطبيعة والإنسان»[1].

فـ«المعرفة تجسيد لتحرر الذات من الطبيعة، وسيطرتها عليها، وتحويلها موضوعًا للمعرفة، وتعد تجسيدًا حيًّا لجدلية العلاقة بين الذات العارفة والموضوع. ذلك أن المعرفة لم تعد تكتفي بالملاحظة المدققة للواقع التجريبي، بل أضحت البنية العقلية تلعب دورًا كبيرًا في بناء المعارف، ليس هذا فحسب، بل لقد غدا للخيال العلمي ومختلف ضروب التفكير دور في تطور المعرفة البشرية. ولم يقف طموح الإنسان عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى معرفة ذاته، وتحويلها إلى مشروع للمعرفة العلمية، على نحو ما حدث في مجال العلوم الإنسانية. ومن هنا استحالت الحقيقة المعرفية، بمختلف أشكالها وتشكلاتها، موضوعًا إشكاليًّا، بالدرجة الأولى، إما من حيث المعايير المؤسسة لها، أو من حيث إمكانية تحقيق الموضوعية فيها، أو من حيث قيمتها النظرية والمعرفية»[2].

وانطلاقًا من كون هذه المعرفة مرتبطة بالوجود الإنساني من جهة، وبالبحث عن حقائق الوجود من جهة ثانية، فالإنسان قد حاول خلال فعل المعرفة الإجابة عن الأسئلة التالية:

كيف نشأت المعرفة عند الإنسان؟ وكيف تكونت حياته العقلية بكل ما تزخر به من أفكار ومفاهيم؟ وما المصدر الذي يمد الإنسان بذلك السيل من الفكر والإدراك؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، نالت نظرية المعرفة اهتمام العديد من المفكرين الأوروبيين، منذ ثلاثة قرون التي مضت، حتى إنها أصبحت في بعض فترات التاريخ هدفًا في ذاتها، وحاجة عقلية ملحة. فأدى ذلك إلى نشوء فلسفة حول نظرية المعرفة بتياراتها المختلفة ومذاهبها المتعددة. فبينما الاتجاه العقلاني يرى أن العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة، فإن الاتجاه التجريبي يرى أن الحواس هي مصدر المعرفة والوصول من خلالها إلى حقيقة يقينية، وغيرها من الاتجاهات.

وكان نتيجة لذلك كله أن ظهرت عدة حلول تتلخص في النظريات التالية:

نظرية الاستذكار الأفلاطونية: «وهي النظرية القائلة بأن الإدراك عملية استذكار للمعلومات السابقة وقد ابتدع هذه النظرية أفلاطون وأقامها على فلسفته الخاصة عن المثل، وقدم النفس الإنسانية، فكان يعتقد أن النفس الإنسانية موجودة بصورة مستقلة عن البدن قبل وجوده، ولما كان وجودها هذا متحررًا من المادة وقيودها تحررًا كاملًا أتيح لها الاتصال بالمثل – أي بالحقائق المجردة عن المادة – وأمكنها العلم بها، وحين اضطرت إلى الهبوط من عالمها المجرد للاتصال بالبدن والارتباط به في دنيا المادة، فقدت بسبب ذلك كل ما كانت تعلمه من تلك المثل والحقائق الثابتة، وذهلت عنها ذهولًا تامًّا، لكنها تبدأ باسترجاع إدراكاتها عن طريق الإحساس بالمعاني الخاصة والأشياء الجزئية، لأن هذه المعاني والأشياء كلها ظلال وانعكاسات لتلك المثل والحقائق الأزلية الخالدة في العالم الذي كانت تعيش النفس فيه»[3].

وأول من نقضها تلميذه أرسطو، كما ردها العلماء المسلمون، وفلاسفة العصر العباسي كأبي نصر الفارابي وابن سينا[4].

وسبب رد هؤلاء وغيرهم لهذه النظرية مخالفتها للعقل ومخالفتها للعقيدة الإسلامية منهجًا وموضوعًا، إذ – كما قال فخر الرازي – «يمتنع أن يكون الإنسان الكلي موجودًا في الأعيان لأن الإنسان مشترك فيه بين الأشخاص، فلو كان موجودًا في الخارج لكان الشيء الواحد موصوفًا بالصفات المتضادة»[5].

فهذه النظرية ترتكز على مسألتين فلسفيتين هما: «أن النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادة، والأخرى أن الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجردة الثابتة في ذلك العالم الأسمى والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة ـ المثل-»[6].

ويشير باقر الصدر إلى خطأ هاتين النظريتين، استنادًا إلى آراء ناقدي الفلسفة الأفلاطونية، «فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئًا موجودًا بصورة مجردة قبل وجود البدن، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادة، تبدأ النفس بها مادية متصفة بخصائص المادة وخاضعة لقوانينها، وتصبح بالحركة والتكامل وجودًا مجردًا عن المادة لا يتصف لصفاتها ولا يخضع لقوانينها، وتصبح بالحركة والتكامل وجودًا مجردًا عن المادة لا يتصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها، وإن كان خاضعًا لقوانين الوجود العامة، فإن هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسر المشكلة، ويعطي إيضاحًا معقولًا عن العلاقة القائمة بين النفس والمادة، بين النفس والبدن. وأما المفهوم الأفلاطوني الذي يفترض للنفس وجودًا سابقًا على البدن فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة، وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس، وعن إيضاح الظروف التي جعلت النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادي»[7].

أما بالنسبة للإدراك العقلي فقد يوضحه باقر الصدر بعيدًا عن ما شرحه أرسطو في بحوثه الفلسفية، وذلك «من أن المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك»[8].

النظرية العقلية: وهذه النظرية لعدد من كبار فلاسفة أوروبا ومن أشهرهم ديكارت وكانت، وتتلخص هذه النظرية في الاعتقاد بوجود مصدرين للتصورات: أحدهما الإحساس، والآخر الفطرة.

وهذه التصورات الفطرية عند  ديكارت هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميز بالوضوح الكامل في العقل البشري.«لقد عثر ديكارت على «الفكر» طافيًا وقد عجز طوفان الشك السابق أن يغرقه فتشبث به كظاهرة يقينية تأبى على الشك، غير أنه لما كان شاكًّا في إمكان الحواس بنقل تصور صادق عن الواقع بصورة دائمة أرجع ظاهرة الفكر إلى العقل وألزمه إياها إلزامًا، فالعقل عنده إذن يتمتع بأفكار فطرية أو قبلية لا منشأ لها غيره، فهي من طبيعته الذاتية فلو فرضنا أن الحواس انعدمت لما انعدمت هذه البديهيات الواضحة لأن العقل يحويها طبيعيًّا. ومن هذه الأفكار (فكرة وجود الله والحركة والامتداد والنفس)»[9].

وعند كانت فالجانب الصوري للإدراكات والعلوم الإنسانية كله فطري بما يشتمل عليه من صورتي الزمان والمكان والمقولات الاثنتي عشرة المعروفة عنه. فتتلخص نظريته «بالاعتقاد بوجود منبعين للتصورات، أحدهما (الإحساس) والآخر (الفطرة) بمعنى أن الذهن البشري يملك معاني لم تنبثق من الإحساس وإنما هي ثابتة في صميم الفطرة»[10].

وعلى هذا الأساس اتخذ مريدو هذه الفلسفة (العقلية) ليس (الحس) فقط مصدرًا للتصورات بل (الفطرة) أيضًا، والتي تنبثق عنها طائفة من التصورات التي ليس لها أدنى صلة بالحس، وأن الذي اضطر العقليين إلى اتخاذ هذه النظرية في تعليل التصورات البشرية، هو أنهم لم يجدوا لطائفة من المعاني والتصورات مبررًا لانبثاقها عن الحس لأنها معانٍ غير محسوسة، فيجب أن تكون مستنبطة للنفس استنباطًا ذاتيًّا من صميمها.

والذي يتبين مما تقدم أن الدافع الفلسفي إلى وضع النظرية العقلية يزول تمامًا إذا جرى تفسير «التصورات الذهنية تفسيرًا متماسكًا من دون حاجة إلى افتراض أفكار فطرية»[11]، ولأجل ذلك يفند باقر الصدر النظرية العقلية عن طريقين:

أحدهما تحليل الإدراك تحليلًا يرجعه برمته إلى الحس وييسر فهم كيفية تولد التصورات كافة عنه.

والطريق الآخر هو الأسلوب الفلسفي للرد على التصورات الفطرية، ويرتكز على قاعدة أن «الآثار الكثيرة لا يمكن أن تصدر عن البسيط باعتباره بسيطًا، والنفس بسيطة فلا يمكن أن تكون سببًا بصورة فطرية لعدة من التصورات والأفكار»[12].

يضيف قائلًا:«بأن نقد هذين البرهانين يستوجب شرحًا للقاعدة التي قام على أساسها، إضافة إلى ضرورة إعطاء إيضاح عن حقيقة النفس وبساطتها، ولا بد من الإشارة إلى:

أن هذا البرهان إذا أمكن قبوله فهو لا يقضي على نظرية الأفكار الفطرية تمامًا، لأنه إنما يدلل على عدم وجود كثرة من الإدراكات بالفطرة.

أن النفس بسيطة بالذات فكيف ولدت ذلك العدد الضخم من الأفكار الفطرية؟ بل لو كان العقليون يجنحون إلى الإيمان بذلك حقًّا لكفى وجداننا البشري في الرد على نظريتهم، لأننا جميعًا نعلم أن الإنسان لحظة وجوده على وجه الأرض لا توجد لديه أية فكرة مهما كانت واضحة وعامة في الذهنية البشرية ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾» [13] [14].

النظرية الحسية: إن هذه النظرية فيها شيء من النظرية العقلية، وخاصة ما يتعلق بدور الحس كمصدر من مصادر التصورات والمعاني، إلا أن الفرق قد يتمثل بتأكيد النظرية هذه بأثر القوة الذهنية في اتخاذ الدور العاكس لتلك الإحساسات المختلفة في الذهن البشري، وعلى هذا الأساس ليس للذهن إلا التعامل في صورة المعاني المحسوسة وذلك بالتركيب والتجزئة، وكذلك بالتجريد والتعميم بأن يفرز خصائص الصورة ويجردها عن صفاتها الخاصة ليصوغ منها معنى كليًّا، والمبشر بهذه النظرية الحسية هو جون لوك، والذي عارض في نظريته ديكارت، حيث أرجع كل التصورات والمعاني المدركة إلى الحس رافضًا أن يكون للفطرة التي نادى بها ديكارت من خلال كتابه «مقالات في التفكير الإنساني»، ولقد انساق مع أفكار جون لوك البعض من فلاسفة أوربا، (باركلي) و(دافيد هيوم).

والماركسية تبنت هذه النظرية متخذة منها منهجًا في تفسير الشعور البشري، بوصفه انعكاسًا للواقع الموضوعي «ذلك أن النظرية المادية في المعرفة تكون نظرية انعكاس، وستكون مهمتها أن تظهر كيف أن الواقع الموضوعي ينعكس في وعي الإنسان انطلاقًا من المبدأ القائل: إن ما هو منعكس – الموضوع – يمكن أن يوجد مستقلًّا عن العاكس – الوعي – والعكس بالعكس»[15]. ومن المرتكزات التي ترتكز عليها هذه النظرية هو التجربة، إلا أن باقر الصدر يضع عقبة أمام قبول هذه النظرية قبولًا تامًّا فيقول: «وهذه التجارب- إذا صحت- إنما تبرهن عمليًّا على أن الحس هو الينبوع الأساسي للتصور، فلولا الحس لما وجد تصور في الذهن البشري، و لكنها لا تسلب عن الذهن قدرة توليد معانٍ جديدة – لم تدرك بالحس- من المعاني المحسوسة، فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جميعًا الإحساس بمعانيها كما تزعم النظرية الحسية. موضحًا «فشل النظرية الحسية في محاولة إرجاع جميع مفاهيم التصور البشري إلى الحس على ضوء دراسة عدة من مفاهيم الذهن البشري، كالمفاهيم التالية: العلة والمعلول، الجوهر والعرض، الإمكان والوجوب، الوحدة والكثرة، الوجود والعدم، وما إلى ذلك من مفاهيم وتصورات»[16].

نظرية الانتزاع: وملخص هذه النظرية أنها تتناول موضوعات التصورات الذهنية من خلال تقسيمها إلى قسمين: تصورات أولية و تصورات ثانوية، والأولية هي الأساس التصوري للذهن البشري، وتتولد هذه التصورات من الإحساس بمحتوياتها بصورة مباشرة، وذلك عن طريق الحواس الخمسة وتلك الحواس هي التي توصل لنا التصورات والمعاني فـ«تتشكل من هذه المعاني القاعدة الأولية للتصور وينشئ الذهن بناء على هذه القاعدة التصورات الثانوية، فيبدأ بذلك دور الابتكار والإنشاء، وهو الذي تصطلح عليه هذه النظرية بلفظ – الانتزاع – فيولد الذهن مفاهيم جديدة من تلك المعاني الأولية، وهذه المعاني الجديدة خارجة عن طاقة الحس وإن كانت مستنبطة ومستخرجة من المعاني التي يقدمها الحس إلى الذهن والفكر»[17].

وأهمية هذه النظرية تتجلى في أنها تتسق مع البرهان والتجربة، ويمكنها أن تفسر جميع المفردات التصورية تفسيرًا متماسكًا.

وخلاصة لهذه النظريات فالمعرفة تمثل بالأساس علاقة التأثير المتبادل بين الذات والموضوع، بمعنى أنها تجسيد لتحرر الذات من الطبيعة، وسيطرتها عليها، وتحويلها موضوعًا للمعرفة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد