مما أؤمن به هو أن الوجود في جوهره عبثي خالٍ من أي مضمون أو معنى، لكن ما يميزنا نحن البشر عن سائر المخلوقات هو أننا قادرون على أن نفكر في ذواتنا، ونحاول أن نصل لحقيقة وجودنا والهدف منه. لسنا كالحيوان تحكمه غريزته فقط دون تفكير، فيعيش للبحث عن اللذة والسعادة ويتجنب الألم والخطر. نحن نضع الغرض من وجودنا بأنفسنا، لا نعيش فقط لأن غريزة البقاء تمنعنا من التوجه بمحض إرادتنا للموت، بل لدينا غاية محددة لحياتنا.

لقد منحنا الخالق عقولنا، ولا أعتبر العقل نعمةً ميزنا بها الخالق عن الحيوان بقدر ما أعتبره نقمةً تسببت في ضررنا وضرر الطبيعة من حولنا أكثر مما أفادتنا. فهناك الجشع والشر البراغماتي – النفعي– الذي يجعلنا نفكر فيما يفيدنا فقط بغض النظر عن الأثر المصاحب له، إن كان شرًّا أو خيرًا لغيرنا.

إن العقل هو المنبع الآخر للأفعال الإنسانية بجانب الغريزة، أفعالٌ تم إجراؤها وفقًا لمعتقدات وآراء مسبقة تحكم عقل المرء وتكون شاغله الأول، بدون هذه الآراء والمعتقدات يكون فعله بلا معنى وعبثي، لذلك كان للدين أن يكون جزءًا من فطرتنا، حاجتنا لوضع تفسير ما – مهما كان غير منطقي– لوجودنا والغرض منه هو ما يدفعنا للاستمرار في الحياة، ورسم الحدود التي تمنعنا من ارتكاب الشر – الذي هو أساس فطرتنا– وتميل بنا لفعل الخير، فمعظم البشر خائفون، إنهم يبحثون عن ملاذٍ ما في العادات والدين. فهما ما يعطيان لرجل الشارع البسيط معنى لحياته، بدونهما هو يائس وشرير، فلا رادع لفعله إلا أن يكون ضارًّا له.

الخوف واللذة هما ما يحكمان المرء حينما يتجرد من الدين، تمامًا كالحيوان، بل إن الدين يحكمه بالخوف واللذة وقائم عليهما، فالدين يرهبنا بجهنم التي تجعلنا خائفين من ارتكاب الشر، وهناك الجنة التي تغرينا بلذاتها لفعل الخير، والإنسان بغريزته كما الحيوان يسعى للذة، ويتجنب الألم قدر المستطاع، لكن يلبس سعيه هذا ثوبًا دينيًّا أو اجتماعيًّا فقط ليجعل لغريزته مظهرًا لائقًا لمكانته الاجتماعية التي تعلو الحيوان في نظره.

يبدو لي أن الإنسان شريرٌ بفطرته، فلو استندنا للقصة الدينية المعروفة لـ (قابيل وهابيل) حينما قتل أحدهما أخاه سنجد أنه لم يكن هناك معنى للجريمة والقتل حينئذ؛ بل إن الموت لم يقع وقتها من قبل، حتى أنه لم يعلم ما الذي يجب أن يفعله مع جثة أخيه، تصرفه هذا نبع من شعوره بالقوة وطمعه فيما عند غيره، أعطِ إنسانًا ما القوة واسلبها من الآخر، ولتراقب – على مر التاريخ– ما فعله وسيفعله الإنسان من استعباد وإراقة للدماء وارتكاب كل ما قد يساعده للوصول إلى غايته الغريزية.

ويظل الغرض من وجودنا مجهولًا؛ مما يجعله عبثيًّا، تسيرنا الغرائز قبل أن يسيرنا العقل، نقنع أنفسنا أن ما نفعله هو لغرض ما، لكن لا أحد متيقن إلى أين يمضي، قدرت علينا الحياة بلا طائل، وإذا أردنا أن نفر من الحياة طالما أنها بلا معنى وننقض عليها بالموت الإرادي أو بالانتحار، كبلتنا غريزة البقاء وأحجمتنا عن فعلنا، لن نموت متمردين وإنما مستلمين.

لا أبغض العالم الذي أعيش فيه، ولكن أشعر بأنني متضامن من الذين يتعذبون فيه… إن مهمتي ليست أن أغير العالم فأنا لم أعط من الفضائل ما يسمح لي ببلوغ هذه الغاية، ولكنني أحاول أن أدافع عن بعض القيم التي بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها، ويصبح الإنسان غير جدير بالاحترام.
– ألبير كامو

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك