المعتَقَلونَ خلفَ آرائِهم أكثرُ النَّاسِ حاجةً إلى الشَّفقةِ عليهم والدّعاءِ لهم بالإفراجِ عنهم.

ما حدثَ في فرنسا مثلاً خلقَ -كالعادة- طرفينِ مُتَنَازعينِ ظاهرينِ، يغيبُ العقلُ والوعيُ عنْ معظمِ كلامِهم.

فمجملُ الأصواتِ توزَّعتْ بينَ كارهٍ للمسلمينَ، وحاقدٍ عليهم، ومُطالبٍ بمحوهِم، وبينَ مسلمٍ عدوانيٍّ، مدافعٍ عنِ القَتَلةِ والإرهابيينَ بفِكْرٍ تعصّبيٍّ وجاهل، والواقعُ يقولُ: إنَّ التَّعصُّبَ الدّينيّ لا يختلفُ كثيرًا عنِ التَّعصُّبِ العلمانيّ.

فالعلمانيَّةُ الّتي فكرتها إبعاد الدّينِ عنِ الدَّولة، ومنح الحرّيّة لممارسةِ العباداتِ والتَّعايش بين الدِّيانات، تصبحُ عندَ بعضِ العربِ إقصاءً وتطرَّفًا.

فبعضُ مَنْ يُطلقونَ على أنفسِهم لقبَ المثقَّفين والعلمانيّين أو المفكِّرين يُفرزونَ بقصدٍ أو بغيرِ قصدٍ عنصريّةً وكراهيّةً أقبح منَ العنصريّةِ الّتي يدَّعون أنَّهم يحاربونها، فمنَ الغباءِ أنْ تشتمَ نحو ملياري إنسانٍ بسببِ سلوكٍ غبيٍّ مرفوضٍ قامَ بهِ أحدُهم، وأنْ تخاطبَ النَّاسَ بعنجهيَّةٍ وفوقيّةٍ وتكبُّرٍ، وتقولَ لهم بكلِّ برودٍ: هذا أنتم وهذا إسلامكم.

بالمناسبة، لو قمتَ بعبادةِ التِّمساحِ أو الشّمعة، ستبقى مُحتَسبًا إلى مَنْ تحاربُهم، ولنْ يشفعَ لكَ ذلكَ أبدًا عندَ الغرب.

ولكنْ بالمقابل.. منَ الدَّناءةِ أنْ تنسبَ لدينِكَ نقصًا وعيبًا وحقدًا وشرًّا يكمنُ فيكَ، وتدفعَ كوكبًا كاملًا إلى الخوفِ منك، وليسَ إيمانًا وغيرةً أنْ تبرِّرَ مقتلَ إنسانٍ بكلِّ بساطة.

آمنْ يا أخي ومارسْ عباداتِكَ دون كراهيَّةٍ وعدوانيّةٍ وتخويفٍ، فمَنْ تدعو لقتلِهمْ ننامُ بينهم اليوم.

المشكلة أنَّ مَنْ لا علاقة لهم بالأمرِ سيكونونَ حتمًا الضَّحيَّةَ، كما أنَّ غيابَ واجهةٍ رسميَّةٍ للمسلمينَ تدافعُ عنهم، يجعلُهم عرضةً للإهانةِ والعنصريّة في كلِّ وقت، الشَّيءُ الّذي يدفعُ مجملَ الحكوماتِ الغربيَّةِ إلى استغلال ذلك.

إنَّ التَّطرّفَ والتَّعصّبَ للرّأي يجعلُكَ مُمارِسًا للظّلمِ بعيدًا عنِ الصَّواب، فليسَ عيبًا أنْ تنتقدَ العملَ الإرهابيَّ وكلَّ مَنْ يدعمُهُ دون تعميمٍ، وفي الوقتِ نفسه تقفُ ضدَّ تصريحاتِ وأفعالِ الحكومةِ الفرنسيَّةِ.

للأسف.. إنَّ الأمرَ يمتدُّ لدينا إلى ما هو أبعد من هذهِ الحادثةِ بكثير، ربّما لأنَّ الأرضَ قدْ أورثَتْنا ذلّاً كبيرا، تجدنا اليومَ نسعى إلى الثَّأرِ منْ كلِّ شيء، فنخلق شرّا كالشَّرِّ الّذي نخافُ منه، فبلادٌ محقونةٌ ضدّ الوعي، منَ الطَّبيعيّ أنْ ينبتَ الجهلُ والتَّعصّبُ على جدرانِها.

إنْ تفتش في بلادِنا شبراً شبراً، لنْ تجدَ فيها ما يشيرُ إلى الأمل، فالتّطرّفُ أصابَ كلَّ شيءٍ فيها، حيثُ باتَتْ كلُّ القوالبِ والتّصنيفاتِ سهلةَ التَّوقّع، فكلّما قابَلْتَ شيخًا نفرْتَ منه لافترائِهِ وكذبِهِ، وكلّما قابَلْتَ مُلحِدًا نفرْتَ منه لضعفِ كلامِه وقلَّةِ وعيِه، مع أنَّه يتَّهم أعداءَه بها، وكلّما قابَلْتَ سيِّدةً نسويّةً أدركْتَ فورًا سعيها لخرابِ بيوتِ النَّاسِ، كي تثبتَ سوءَ الرّجال، وكلَّما قابَلْتَ رجلاً ذكوريًّا اكتشفْتَ دناءَتَهُ باستغلالِ كلِّ خبرٍ ليؤكِّدَ ضعفَ النِّساءِ وكيدهنَّ، وكلَّما قابَلْتَ سياسيًّا عرفْتَ حقارتَه وتملقَّه وارتهانه، وكلّما قرأتَ أفكارَ الطَّبقةِ المُثقَّفةِ رأيتَ افتراءَهم وغباءَهم وتعاليهم وتكبّرهم على غيرهم.

كلُّ شيءٍ باتَ يدعو إلى النُّفورِ منه، فما مِنْ فكرةٍ تستطيعُ أنْ تدافعَ عنها بوضوح، وما منْ فكرةٍ واضحةٍ تدافعُ عنك.

أنا لا أعمِّمُ ولا أشملُ الجميعَ فيما كتبَتْ، فهناكَ الكثيرُ ممَّنْ يُنْصَحُ بالقراءةِ لهم والاستماعِ إلى أفكارِهم، ولكنَّهم أفرادٌ لا ينتمونَ لأيِّ حزبٍ أو جماعةٍ أو هيئةٍ أو حركة، لذلكَ أريدُ أنْ أقول: لا تتَّخذْ لونًا، ولا تدافعْ عنْ حزبٍ أو تيَّارٍ فكريٍّ أو حركةٍ اجتماعيَّةٍ أو أيِّ جماعة، حاولْ أنْ تكونَ طبيعيًّا وعاديًّا لا أكثر، ابتعدْ عنِ القوالبِ البشريَّةِ مُسبَقة الصُّنع، حكِّمْ عقلَكَ واسمعْ جيّدًا، ضعْ نفسَكَ مكانَ مَنْ تلقي اللَّومَ عليهم، ولا تعتقلْ ضميركَ وتصبح حبيسَ أفكارِك، فالقناعاتُ تمتلكُ عمرًا قصيرًا، وما تراهُ اليومَ صحيحًا قدْ تنكرهُ غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد