لا يوجد تعريف مانع جامع للاستبداد، فالنموذج الوحيد لم يوجد، ولن يوجد؛ لأن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية تختلف من مكان إلى آخر وتتبدل من زمان إلى آخر؛ فالاستبداد باعتباره ظاهرة من ظواهر الاجتماع السياسي لا يولد اعتباطا ولا يتراكم جزافًا، وإنما تحكمه مجموعة معقدة ومتشابكة من الأسباب والظروف، يتداخل فيه الذاتي والموضوعي والداخلي والخارجي، الاقتصادي والثقافي، فهو ثمرة مجموعة مركبة من القوى والبواعث المختلفة في درجة تأثيرها المتشكلة بظروف الزمان والمكان.

يشير التحليل (النفس – اجتماعي) أن الفعل المؤسس للاستبداد هو فعل الاستيلاء أي انتزاع الحكم والقبض عليه من دون تفويض من المجتمع أو ضد إرادته.

يكتسب الاستبداد معناه السيئ من كونه اغتصابًا واحتكارا للحق المشترك مع الآخرين، فهو فعل يقوم على الاستحواذ والاستيلاء والسيطرة على شيء هو حق مشترك مع الغير(1).

والاستبداد في إفادته معنى الانفراد فإنه يتضمن دون شك نفي الآخر وعدم الاعتراف به مشاركا في الحق العام، وهو يحول العلاقات بين الأفراد من علاقات تحكمها وتنظمها قوة الحق إلى علاقات تضبطها محض القوة، وباعتباره قوة مجردة من كل حق يقوم في مبدئه على الغلبة والاستيلاء، فالفعل المؤسس للاستبداد هو الاستيلاء، وكما يرى هوبز في تحليله للاستبداد انطلاقا من الحاجة إلى الأمن، فإن الاحتكام «إلى القوة المجردة من كل معيار أخلاقي تمنع كل سلام وتهدم كل استقرار، إنها حالة حرب الكل في حرب مع الكل»(2).

وقد استخدم خلدون النقيب(3) مفهوم الاستبداد للتفرقة بين الحاكم الذي يلتزم بالقانون قولا وفعلا والحاكم الذي يكون قوله وفعله هو القانون، فإذا وجد القانون فإن الحاكم يحتكر سلطة تعديله وتغييره، ويرى النقيب أن الحكم الاستبدادي قد يكون فرديا أو حكم جماعة، ومن الأهمية النظر نحو نوعية الاستبداد الذي ينبع من اختراق الدولة للمجتمع وهيمنتها عليه بصورة كبيرة يلخصها النقيب في «الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع».

نجد توافقا كبيرا وشبه تطابق ما بين الاستبداد والشمولية بمحتواها الفاشي، فإذا كانت الشمولية ترتكز على عنصري الإيكوسنترية (التركز حول الذات) ما يعني الميل إلى رد كل شيء إلى الذات، فهي أيضا ترتكز على الإثنوسنترية ما يحيل إلى ميل للحكم على كل شيء بمعايير الرهط الاجتماعي الذي ينتمي إليه الفرد(4).

وهكذا تقوم الشمولية أو ما يسميه إمام عبد الفتاح إمام (مذهبية السلطة الجامعة)(5) على شكل من أشكال التنظيم السياسي يقوم على إذابة جميع الأفراد والمؤسسات في الكل الاجتماعي عن طريق العنف والإرهاب.

أو كما يلحظ ماكس فيبر (6)لاأن المؤسسة الاستبدادية هي مفهوم نوعي يجمع سمات لطبقة كاملة من المؤسسات المتخصصة في التحفظ على الأشخاص والضبط الاستبدادي لنمط حياتهم. وفي مقال نشره الفيلسوف الإيطالي جيوفاني جنتيلي بعنوان «الأسس الفلسفية للفاشية» استعمل صفة التوتاليتارية totalitarian بمعنى الإحاطة والشمول واحتواء كل شيء في صفة للنظام الفاشي(7).

أما الاستبداد بمعناه النفس فرويدي فقد لحظ أنه يستعمل بالترادف مع مفهوم المتسلط، باعتباره شخصية مرضية، تتصف بالزورية ا(البارانوئيدية paranoid ) بمعنى الاتصاف بالتوقع الدائم أن الآخرين ينتقصون من قيمة الفرد، أو يحاولون إلحاق الأذى به أو تهديده، على شك دائم بإخلاص وصدق المحيطين به دون مبرر وفرط باليقظة والانتباه والانزلاق بسرعة إلى الحنق ووهم الشهرة وعدم التسامح مع أي سلوك يتم تقييمه على أنه مهين، وعدم الثقة بالآخرين بسبب الخوف الدائم من إمكانية استغلال أي معلومة ضده، نلاحظ هنا تطابقا تاما مع سيكولوجيا الحصار والبحث عن الأمن واختراع الأعذار لتشديد الحصار الداخلي واتخاذ موقف عدائي تجاه الخارج.

لقد رأينا أن الصهيونية تضيق بأي تقدم وتغضب بشدة إزاءه فيصبح الناقد إذا كان يهوديا، كارها لذاته، ومرتدا عن قيم الشعب اليهودي، أما إذا لم يكن يهوديا فهو ببساطة (لا سامي) ويعلم الجميع كيف تستخدم الصهيونية المحرقة بشكل تجاري أرعن لاحتكار المأساة وتظهير نفسها باستمرار محتكرة دور الضحية لليهود، مبررة سلوكها مسلك الجلاد بهذا الاحتكار الوقح.

وإذا كان هذا النوع من السلوك ينحو نحو العزلة في الدائرة السياسية فإنه يأخذ شكل التقفر في دائرة العلاقات البشرية، ما يعني أن يكون المرء مقتلعا، فلا يكون لديه مكان في العالم، مكان يقر له الجميع به ويضمنونه فيصبح همه قتالًا دائمًا لتثبيت هذه المكانة أو إقرار الاعتراف بهذا المكان(8).

النرجسية صفة أخرى من صفات هذه الشخصية، وباختلاطها بالتعصب بأشكاله تعطي نتائج كارثية، لتتميز بالتعجرف والنقص في التعاطف وفرط الحساسية تجاه آراء الآخرين، وإعزاء العنصر الايجابي للنفس، وإسقاط النوازع السلبية على المختلف الذي لا ينتمي للرهط فتبالغ في إنجازاتها وحسناتها، وتتوقع من الآخرين أن يعترفوا لها بالجميل بصورة خاصة بمبرر أو بدونه، وتستحوذ على النجاح والشهرة والتألق هذا النمط من الناس غالبا ما يمتلك مشاعر مزعزعة بالقيمة الذاتية وتعتبر آراء الآخرين واعترافهم به مهمة جدا، ويستجيب لأي نقد سلبي، بالغضب أو بمشاعر الإهانة أو الإذلال، ويميل هذا النمط لاستغلال الآخرين واستخدامهم جسرا لتحقيق أهدافه الخاصة مع نقص في التعاطف معهم أو الحساسية لهم(9) لذلك تعمل الفاشية على خلق المسافة مع الآخرين والبعد عنهم، فكلما ازدادت المسافة بين الأنا والآخر كلما اطمأنت الأنا وخف قلقها.

والسادية من جهة أخرى سمة لازمة للفاشية (نتحدث هنا عن الفاشية كنظام وبنية وليس عن أفراد منتمين إلى الفاشية)، بتعبيرها عن سلوك عدواني وعنيف وقاس تجاه الآخرين من أجل تحقيق السيطرة في العلاقات الخارجية ويحافظ أصحاب هذا النمط على السيطرة على الآخرين من خلال وسائل تتراوح بين الإرعاب والإرهاب اللفظي وصولا إلى سوء المعاملة الجسدية، وغالبا ما يستمتعون بإيلام ضحاياهم أو إهانتهم وفي الغالب يقيدون حرية الأشخاص مع ولع شديد بالأسلحة. وهكذا تصبح السادية حسب إيريك فروم «الشغف بالحيازة على رقابة موجود حي رقابة مطلقة» فإرغام أحد أن يتحمل الألم والإذلال دون أن يكون بوسعه الدفاع عن نفسه يكون مظهرا من مظاهر الرقابة المطلقة.

لقد شاهد العالم بأسره ذلك المظهر– الذي تكرر كثيرا في الحقيقة – عندما اقتحمت القوات الإسرائيلية سجن أريحا وأرغمت عشرات الأشخاص العزل على الوقوف عراة أمام عدسات التلفزة في تلذذ واضح بعذاب الضحية وبدون أي مبرر سوى الإذلال والرغبة في إظهار التحكم الكامل عبر تحطيم أرواح البشر، وأكثر من ذلك في سلوك تصوير الضحايا وهي من سلوكيات الفاشيين المعروفة في الهند وألمانيا وإسرائيل والشيشان والأميركتين والعراق.

كل هذا يشير إلى ضعف الشخصية الفاشية في أعماقها، فالقوة تعني شخصية واثقة من نفسها مرنة تقبل النقد من الآخرين، منطقية وديمقراطية، تحترم إمكانات الغير، بينما الشخصية الفاشية تتستر خلف جمودها وسلطويتها من أجل قمع الآخرين وعدم إظهار ضعفها، عاجزة عن النقاش المرن الديمقراطي وعاجزة عن تقبل الآخرين وتقبل الحقائق المنطقية وتصبح القوة هي المرجع الأساس للعلاقة بحق الآخرين والموقف منهم.

يرتبط هذا الضعف بعدوانية الفاشي فهجومه دفاعًا مستترًا، يهاجم خوفا من أن يُهاجَم ويُنال منه، ويُذَل، فالسلطوية والسيطرة بالنسبة للضعفاء تعويضان يحتلان المقام الأول، ذلك أن إذلال الآخرين يمنحهم وهم السمو والقوة، يضاف إلى ذلك أنهم أنجزوا عملا لكن دون أن يتوجب عليهم صرف الطاقة الخلاقة الضرورية التي يقفون عاجزين حيالها.

أضف إلى ذلك أن الشخصية الفاشية، شخصية هوائية مزاجية، وتلك ملاحظة كلاسيكية في علم النفس، تشير إلى تغير المزاج الفاشي يميل إلى البربرية، التناقضية، فالفاشي يحتاج إلى تبرير أفعاله وسلوكه المتغير نتيجة تغير المزاج، هذا التناقض مع صفة التصلب والجمود يزول إذا لاحظنا المسلمة التي تعيد فكرة الفاشي عن ثبات العالم إلى اضطرابه العميق المتفجر.

وقد ذكرنا في غير مكان أن تناقض القوانين وازدواجيتها صفة لازمة للنظام الفاشي وهذا يترجم في الشخصية الفردية بأن الفاشي شخصية غير منضبطة للنظام الأخلاقي العام للمجتمع، فهو يعمل باستمرار على إنتاج قانونه الخاص، نجد صدى ذلك وأصله ربما في مقولة نيتشه الشهيرة: «واحسرتاه.. امنحني الجنون إذا.. إذا لم أكن فوق القانون فأنا ألعن الملعونين».

وذلك الذي لا يستطيع أن يبقى فوق القانون لا بد له في الحقيقة من أن يوجد قانونًا آخر أو يصاب بالجنون كما يحلل ألبير كامو كلمات نيتشه. ووضع النفس خارج القانون، يخلق وضعًا تتحول فيه السلطة إلى استبداد وحشي، فالسلطة المفرطة تلك التي تقع خارج أي قانون هي سلطة متوحشة بالضرورة. وهكذا، لا يني الفاشي يدعو الآخرين للالتزام بالنظام، أما هو بالذات فلا يلتزم بالنظام! هل يمكن التوقف قليلًا للتفكير في السلوك الأمريكي والإسرائيلي حول هذه النقطة.

وأيضًا نقطة أخرى أن الفاشي يعمل على تحقير الآخر وإنجازه والسخرية منه! والفكر الفاشي فكر هدّام، وكما يقول نيتشه فإنه: “لإقامة معبد جديد لا بد من تهديم معبد قديم…” ذلك هو القانون.

إن ذلك يحيلنا تلقائيًا إلى فكرة النمذجة التي يجب على أساسها إعادة إنتاج العالم على الصورة المختصة، وإذا كان ذلك صعبًا؛ لأنه في الحقيقة يتناقض مع فكرة التفوق والاختلاف، فإن المطلوب على الأقل، وهذا هو الممكن إخضاع هذا العالم والهيمنة عليه، تحويله حديقة خلفية أو إقليمًا استعماريًا، هذا ما حاولته الإمبراطورية العثمانية، وهذا ما حاولته فرنسا في الجزائر، وإيطاليا في ليبيا، والجماعة البيضاء في جنوب أفريقيا والولايات المتحدة في جمهوريات الموز والكاريبي..إلخ.

والفاشي عدمي، فهو يؤمن بالكل أو اللاشيء، وذلك مردّه إلى فكرة التفوّق المطلقة، فلا يوجد تفوّق نسبي، لأن هذا يقتضي تفوقًا نسبيًا معاكسًا في زاوية أخرى، مما يولد تناقضا في فكرة التفوق والاختلاف، لذلك لا بد من عدالة مطلقة، أو راسخة في نسختها المنقحّة. ولا بد من تدمير الجميع، وتلقين العالم درسًا.. ليس فقط طالبان وبن لادن، وإنما الجميع بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وبالمعنى الإطلاقي للقيم الأخلاقية فإن تحديد ما هو جيد وما هو سيئ يستند أساسًا إلى مصلحة الفاشي، ولدينا نموذج دراسي جيد حول هذه المسألة: ففي مسألة دريفوس الشهيرة في التاريخ الفرنسي نجد معادلتين ممكنتين:

حقيقة ملفّقة: دريفوس مذنب = هذا جيد للجيش الفرنسي الذي يخرج من القضية أقوى = هذا جيد لفرنسا = هذا إذا عادل وبالتالي = أُدين دريفوس.

حقيقة مطلقة: دريفوس بريء = هذا يحط من مكانة الجيش = هذا سيئ لفرنسا فالعدالة تقتضي أن يدان دريفوس، ولكنها العدالة الفرنسية فقط.

ولنحاول نقل العدالة إلى مجال آخر..

* بن لادن مذنب = هذا جيد للعقيدة والنظام والجيش والاستخبارات الأمريكية = هذا جيد لأمريكا.

* بن لادن بريء = هذا سيئ للجيش والنظام والاستخبارات = هذا سيئ لأمريكا. بالإمكان طبعا الذهاب بعيدا في تجربة إدخال متغيرات على هذه المعادلة بشكل يناسب عشرات الحالات والنماذج.

فـ “العدالة الراسخة” تتطلب إدانة بن لادن وطالبان. التفسير السابق لهذه المعادلة سبق أن أشرنا إليه، فالموضوع يكمن وراء الصور ووراء الكلمات، إنه في الحقيقة يكمن في البحث عن أسئلة جيدة للحصول على أجوبة جيدة، وهنا نجد إحدى سمات الفاشي: السطحية والشكلانية، فهو لا يهتم بمثل هذه الأسئلة الجيدة، لا يهتم بالأسئلة من نوع: كيف ولماذا التي تميل إلى الأسباب والدوافع وراء السلوك وليس مجرد السلوك المعزول، فلا يوجد جريمة معزولة، إن كل جريمة تمتلك تاريخيتها الخاصة، والضحية هي جزء من تاريخ الجلاد الذي يستمر في البحث عنها حتى يجدها، وعندما تنقضي المهمة لا يني يحوم حول ضحيته، الجريمة بحد ذاتها ليست سوى محطة في تاريخ الجلاد أو المجرم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد