ممَّا يُميّز هَذا العَصر الحَديث، كثرَة المُستجدّات عَلى كل المُستويات، فعلى رَأس كلِّ سَاعَةٍ، نشاهد الكثير من الأخبَار التِي كنا ننظر إليهَا من قبل بعَين الاستحَالة، ففِي هَذا الوَقت تحرَّرَ العَقل وثـَار عَلى الثقـَافة الأحَاديّة والعُرف الدِّيني، كما ثـَار على عِدَّة مُسلمَات دِينيَّــة فِي مُختلف الأديَان، خِلافـًا للقرُون السَّابقة التِي وإن تحرَّر فيها العَقل وسَاهم في بنـَاء عَصْر الأنوار، إلا أنه كان دائمًا مقيدًا من طرف الكنيسَةِ نفسِهَا ومن طرف السّلطة السِّياسية، فمَا يُميّز عَصر (جُونْ فـَالـَن) والعَصْر الحَالي الذِي يَعيشُ فيه المُسلِمُون أنه تمّ من قبل مُسَاءلة النصُوص الدّينيَّـة المَسيحيّة والترَّاث اللاهُوتي المَسيحي، أمَّا فِي البلاد الإسلاميَّة فالأمرُ بَدا يتضِحُ، وبَدت تظهَــرُ أعرَاضُ صَحْوة العَقل النقدي لإعَادة قرَاءَة الترَاث الإسلامِي وفق السِّيَاق المُعَاصر، «قرَاءَة مُعَاصِرَة للترَاث لا قرَاءَة ترَاثيَّة لهُ» على حد تعبير «محمد عابد الجابري».

مِن بَين المَواضيع التي جعَلت عُلمَاء الفقه والأحكـَام والسُّنة والاجتهاد يَختلفـُون مرَّة أخرى، قضيَّة «إمَامَة المَرأة»، هَل مِن حَقِّ المَرأة أن تؤُمَّ كمَا يفعَل الرَّجل؟ أم أنَّ الرَّجُلَ إليه وَحدَهُ يُرَدُّ أمر الإمَامة بدعَوى أن المَرأة ناقصَة عَقل ودِين، وأنهَا مُثيـرَة، الأمرُ الذِي يَفتنُ المُصَلين وهَل مِن أدلةٍ ترجِّحُ جَوَازَ إمَامَة المَــرأة؟

من الوَاضِح أنَّ الاجتهَاد في البلدَان الإسلاميّة، خاصّةً فِي المَشرق والمَغرب، يَختلفُ عن الاجتهَاد في البُلدَان الأورُوبيَّة، فـعمر بن عبد العزيز، كان يقـُول: «يجدُ النـَّاس مِن الأحكام بقدر مَا يجدُّ لهُم من الأقضِيَة»، فالاجتهَاد فِي بلدَان الغرب سَابقٌ للاجتهَاد فِي البلدَان الأخرَى لعدَّة دَوَاعٍ على رأسِهَا: العَولمِة ومَا ينطوي عليْهَا مِن ابتكارَاتٍ واخترَاعَاتٍ في الطِب والأحيَاء والجينَات… إلخ، وهذه القضَايَا تتسَاءل بشكل دَائم عن مَوقف الدِّين، وتدفعُ بالفـُقهَاء إلى فتح بَاب الاجتهَاد على مِصْرَاعَيه على مَدَار الوَقت، فعَلى سَبيل المِثـَال، من بين الموَاضِيع التي أثارت الكثير من الجَدل والنقَاش قضيَّة وَهْبِ الأعضَاء البشريَّة، والعلاج بالخلايَا الجذعيَّة، والمَوت الرَّحيم، والإجهَاض، وزَواج المِثليين… إلخ، فهَذِهِ النقاشـَات دَارَت في الأوسَاط الأورُوبيَّة قبل أن تلج إلى السَّاحة الإسلاميَّة؛ لأن الاجتهَاد كما قلت في الدُوَل الغربيَّة سَابقٌ للاجتهَاد في دُول المَشرق العَربي.

فإمَامَة المَرأة مِن بَيْن المَوَاضِيع التي طرحَت النقاش والجدَال ، وذلك إثرَ ظـُهُور حَركات نسَائيَّـة دينيَّـة تنادِي بإمَامَة المَرأة مِثل «أمينـَة وَدُود» بالولايات المُتحدَة الأمريكيّة، و«تيَان شِينغ» و«ليَان» بالصِّين، و«إلهَام المَانع» في سويسرَا، و«راحِيل رضَى» في مدينة أكسفورد البريطانية… إلخ، وتطالبُ بالمُسَاواة التامَّة مَع الرَّجُل حَتى في الشؤُون الدِّينيَّة، والعَمَل علاوة عَلى القضَاء عَلى كافـّة أشكال الاحتكـَار الذكوري للتفسِير والتـَّأويل والاجتهَاد بدَعْوَى أنَّ النسَاء أيضًا لهُنَّ عقولٌ تمَكِنهُنَّ مِن الاجتهَاد وإبدَاء الرَّأي والنـَّظر.

القرآن رسَالة عَامة وخطاب شامِل للرِّجَال والنسَاء، لم يَخُصَّ الله به جنسًا دُون جنس آخر، و الذكوريّة احتكرَت التـَّأويل والاجتهَاد والتصْنِيف عَلى امتداد عُقود من التــَّاريخ، وأيَّة مُحَاولة نسَائية للاجتهَاد والنـَظر فِي كتَاب الله والسنـَّة قـُوبلت بالرَّفض، بدَعْوَى أن المَرأة ناقصَة عَقل ودِين، وبدَعْوَى أنهَا خلقت مِن «ضِلع أعوَج»، فمِن هُنا ندركُ حَجْم الأزمَة التي يعُانِي منهَا الفِقه الإسلامي برُمَّتهِ حِينَ لم تسَاهم النسَاء في إرسَائه وبنـَائِه.

بالرُّجُوع إلى قضيَّة إمَامَة المَرأة، تجدر الإشارة إلى أن مَواطنُ الاختلاف بينَ العُلمَاء كثيرَة، فالذين خَالفـُوا و قالـُوا بعَدم جَوَازها عُلمَاءٌ مِن أمثـَال: «ابن حنبَل» و«الحَنفِي» و«مَالك»، أما بخصُوص الذِين أجَازُوا إمامَة المرأة من غَير تفريق بَين فـَرض ونفل فقد قـَالـَت به: «عَائشة رضي الله عنها» و«ابن عُمَر» و«ابن عَبّاس» و«أم سَلمَة» و«عطـَاء» و«الأوزاعِي» و«الشَّـافعي» و«إسحاق» و«ابن ثـَور» إبرَاهيم صَاحب الشافعي، ويُعَدّ من الفقهَاء المَأخوذ برَأيهم، فهَؤُلاء كلهُم قالوا بجَوَاز إمَامة المَرأة للنسَاء، ونزيد على هَؤلاء روَايَة عن «مَالك» و«أحمَد»، فمِنَ المَعلـُوم أن «أنس بن مَالك» عَارضَ مَسألة إمَامَة المَرأة للرجل، إلا أنه فِي قضية إمَامة المَرأة للنسَاء وَردَت روَاية ترجّحُ إجَازة مَالك لهَا، وهي التِي رَوَاهَا عنه «ابن أيمَن»، ومِمّن رجَّحَ روَاية ترجحُ جَوَاز مَالك لإمَامة المرَأة للنساء «الإمَام اللـُّخمِي»، ولهُ مَكانـَة كبيرَة في فقه المَالكيَّة، وتجدُر الإشَارَة أيضًا إلى أن من بَين الذين خالفـُوا أيضًا في قضيَّة إمَامَة المرأة «الإمَام الطبَري» و«أحمد» و«ابن تيميَّـة» الذي أيـَّـد رَأي أحمَد.

ومن جهَةٍ أخرَى، ذهَب بَعضُ العُلمَاء المعاصِرين الذِين اصطفـُّوا إلى قضيّة جَوَاز إمامة المرأة إلى أنَّ الأسَاس الذِي رسَخ به عَدَمُ جَواز إمَامَة المَرأة وهُوَ مَا جَرَى عَليهِ العُرف مِن عَهد النبي إلى اليَوم الحَالي، إذ إنَّ الرَّجُلَ هُوَ الذِي توكل له مهمة الإمَامَة، فترَسّخ الأمرُ فِي المُجتمعَات بأنَّ المَرأة لا تؤم غيرَ أن الأمر فيهِ نظر مَا دامَت القضية خِلافيَّـة، ولم ترد فيهَا أدلـَّة قطعيّة فِي الكتـَاب والسُنـّة على عَدَم جوازهَا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد