الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

وضوح الهدف هو عماد أي مشروع، وللوصول إلى الهدف لا بد من تعيين أهداف مرحلية، ومن خلال الأهداف المرحلية ترسم خطة العمل وتوزع الأدوار وغير ذلك، أصحاب المشروع في مسعاهم لتحقيق الهدف يعلمون أنه سيقع بينهم الخلاف، ويعلمون أنه لا بد من إدارة هذا الخلاف، عسى أن تكون له ثمرة مفيدة تدفع مسيرة تحقيق الهدف إلى الأمام، المطلوب حتى يحدث ذلك وجود محددات تحتوي هذا الخلاف أيًّا كان شكله أو حجمه، محددات تكون في شكل خطوط حمراء لا يتجاوزها أي طرف من أطراف الخلاف، مهما كان؛ لأن تجاوزها يعني انصياع أي طرف لحظوظ نفسه، وبالتالي انحراف الجماعة ككل عن المسار.

تحتاج قوى الحرية والتغيير هذه الأساسيات وهي تخوض غمار معترك مهم ضد المجلس العسكري لتحقيق أهداف الثورة، التي يتطلع إليها الشعب السوداني بعد معاناة مع استبداد طال أمده 30 عامًا، مسمى الحرية والتغيير جاء على خلفية وثيقة إعلان الحرية والتغيير، التي كشف عن محتواها سكرتير تجمع المهنيين السودانيين محمد ناجي الأصم، في الأول من يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، أهداف الوثيقة تتلخص في تشكيل حكومة كفاءات انتقالية تحكم لمدة أربع سنوات، تتولى فيها ملفات مثل الاحتراب الداخلي، والأزمة الاقتصادية، والإرساء لمنظومة تعددية تسع كل أطياف السودان وتوجهاتها، وغير ذلك.

وقع على هذه الوثيقة أكثر من 20 كتلة سياسية، وحركات طلابية ومجتمعية ذات رؤى وتوجهات شتى، وهذا الذي كان مصدر قوة للتحالف أيام مقاومة نظام البشير، هو نفسه الذي سيكون أبرز نقاط ضعفه.

وقع أول صدام داخل التحالف بين الحزب الشيوعي، وبين حزب المؤتمر السوداني، عندما أصدر الأول بيانًا يدين فيه حزب المؤتمر لمحاولة تولي الحوار مع المجلس العسكري دون أن يكون للحزب الشيوعي أي دور فيما سيطرحه في الحوار، كما اتهم السيد عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر بمحاولة فرض رأيه على الجميع، فكان رد المؤتمر بنفي كل ذلك والدعوة لأن يتم بث الاجتماعات مباشرة على الثوار في مكان الاعتصام لإرساء مبدأ الشفافية.

والمتابع لما يحدث فيما بين مكونات التحالف سيعلم أن الحزب الشيوعي هو الأكثر حدة في مخالفته للآخر، والأسرع قفزًا إلى إصدار البيانات عبر منصته الإعلامية، رغم أن الاتفاق هو عدم صدور أي إعلان إلا عبر منصة قوى الحرية والتغيير الموحدة، تم تجاوز الأزمة واستمرت المحادثات بين التحالف المعارض وبين المجلس العسكري حتى أعلن عن الوثيقة الدستورية للتحالف المعارض، التي فيها رؤية التحالف للدستور الانتقالي وللمجلس السيادي وللحكومة، وصلاحيات كل جهة من هؤلاء، وهنا بدأ شوط جديد من الخروج عن المسار، مثل الصادق المهدي وابنته مريم الصادق، وكان بيان الجبهة الثورية، بل كان هناك تصريحات لعمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني، خرج تجمع المهنيين ببيان عتاب على الكتل السياسية الموقعة على إعلان الحرية والتغيير، تفاعل معه حزب المؤتمر السوداني أولًا، ثم عادت الكتل السياسية لتتوحد خلف منصة إعلامية واحدة تمثل قوى إعلان الحرية والتغيير.

الآن ومع تعثر المفاوضات مع المجلس العسكري، يعود التحالف لحالة الشقاق وبشكل مزعج، فالحزب الشيوعي يخرج ببيان يعبر فيه عن عدم رضاه بما يحدث في التفاوض، وتجمع المهنيين يعلن التعبئة لقطاعات العمل العامة والخاصة للتحضير للإضراب، ثم بعدها العصيان المدني، والذي وجد تفاعلًا واسعًا من هذه القطاعات، وبسبب هذه الخطوة على ما يبدو حدث خلاف كبير بين مكونات الحرية والتغيير؛ فالتحالف نظريًّا ما زال في مرحلة التفاوض مع المجلس، وهذا التصعيد كما جاء عن حزب الأمة الذي خرج ببيان يعلن فيه رفضه للإضراب يجب أن يكون بعد استنفاد كل الحلول الممكنة التي تجنب القوى أي صدام مع المجلس العسكري.

الحزب الشيوعي رد بقوة على حزب الأمة، واتهمه صراحة بأنه ينفذ أجندات خارجية، وأنه يخون الثورة، لتتجدد العداوة القديمة بين الحزبين، ولا يبدو أن هناك أي مساعٍ جادة لتصفية النفوس من بقية القيادات في التحالف.

قوى الحرية والتغيير فشلت في المحصلة في خلق القدر الأدنى المطلوب من الانسجام، الذي سيساعد بطبيعة الحال التحالف على الدخول للمفاوضات بقدم راسخة وموقف ثابت، والنتيجة كانت تنازلات عديدة حتى في أرواح المعتصمين التي صرنا نسمع كل يوم عن إطلاق نار على المعتصمين من قبل قوات الدعم السريع، ينتج عنه قتلى وإصابات، والتحالف يكتفي بإصدار بيانات الشجب والاستنكار، وكأنه منظمة أجنبية جاءت إلى السودان لتراقب الأوضاع، وليس كيانًا فاعلًا وقف يومًا في مواجهة نظام مستبد فاش ومدعوم بقاعدة جماهيرية معظمها من الشباب الذي هو الوقود الفعلي للثورة.

الخلاف الحالي ليس متعلقًا بتنفيذ ما جاء في إعلان الحرية والتغيير، بل هو متعلق بالجهة السيادية للدولة، فالإعلان لم يتناول الجهة السيادية التي ستعمل تحت تصرفها حكومة الكفاءات، عندما وقع الخلاف بين طرفي الحوار حول نسب التمثيل في المجلس السيادي، حاولت قوى الحرية والتغيير إعادة صياغة التصور لصلاحيات السلطات التي منها المجلس السيادي، حتى إذا ما لزم الأمر قبول أغلبية عسكرية في المجلس لا تكون هناك صلاحيات دستورية للمجلس، ولكن القوى، حتى في ذلك فشلت، وعاد الحوار إلى النقطة الخلافية التي تعثرت فيها المفاوضات، على الرغم من أن الذي تم أعلن عنه هو قرب الاتفاق النهائي.

في الوقت ذاته أعلنت باقي القوى السياسية رفضها للاتفاق كونه اتفاقًا ثنائيًّا يقصي باقي القوى السياسية التي لها الحق أن يكون لها دور في تحديد ملامح المرحلة الانتقالية، تقول قوى الحرية والتغيير إن العديد من هذه القوى السياسية لا ينبغي أن يكون لها دور في المرحلة الانتقالية؛ لأنها كانت من الداعمين للنظام البائد، والمعضلة التي وقعت فيها القوى في هذه النقطة هي أنها لا تقبل بوجود دور للقوى السياسية التي دعمت نظام البشير، ولكن تقبل أن يكون للمجلس العسكري تمثيل في المجلس السيادي، ومن فيه كانوا بشكل أو بآخر جزءًا من النظام السابق، ونالوا ترقياتهم وفق معاييره، وعلى رأسهم الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي.

المشكلة برأيي ليست في قبول التفاوض من البداية، ولا في التنازلات التي قدمتها فيما يتعلق بإزالة المتاريس وإنشائها على ما يعرف بحدود السادس من أبريل (نيسان)، لكن المشكلة في سوء إدارة المرحلة لتحقيق تطلعات الثورة أو القدر الأدنى، وهو أن يتهيب العسكر من المساس بالمعتصمين، حالة الانهزامية التي ظهرت فيهم، وهم لا يخاطبون سخط قاعدتهم الجماهيرية تجاه اعتداءات العسكر عليهم بين قتل وإصابات، ولا مواجهة للتحريض الصريح من حميدتي في خطاباته وتلويح أعضاء المجلس العسكري بالتراجع عن كل ما اتفق عليه، واتخاذ إجراءات راديكالية من شأنها إعادة الأوضاع إلى المربع الأول، ظنًّا منهم أن هذا سيوصلهم إلى تحقيق الاتفاق الذي هو أصلًا غير مقبول عند الكثير.

على ما يبدو فإن تجمع المهنيين وحده، وربما معه حزب المؤتمر السوداني الأدرى بخطورة الوضع ونوايا المجلس العسكري وضرورة مواجهتها، ولذلك دفعوا بخيار الإضراب لمدة يومين، والذي نجح بنسبة أكبر بكثير من النسبة المطلوبة، الأمر الذي استدعي تدخل من قوات الدعم السريع، وقع على إثره اعتداءات على عمال مؤسسات مثل الكهرباء وموظفي بنك السودان المركزي، والتي قوبلت بتصعيد من العمال والموظفين، سلاح الإضراب أثبت فعاليته، وأنه الأقدر على كسر شوكة العسكر وإخضاعهم لإرادة الشعب، ولكن يبقى السؤال عن إمكانية استخدام هذا الخيار في ظل حالة عدم التوافق بين مكونات الحرية والتغيير على هذا الخيار أو أي خيارات أخرى، والأزمات بينها التي بدأت تظهر على السطح.

لا أستطيع أن أجزم بما يحدث داخل اجتماعات التحالف، ولكنني أميل إلى أن هناك تباينًا في الرؤى بين التوجه الثوري الذي تتبناه بطبيعة الحال القوى الشبابية المتمردة على كل الموروث القديم، وبين التوجه الذي يتجنب الصدام ويميل إلى الرصانة وأكثر حرصًا بطبيعة الحال على حقن الدماء، والواضح أن الثاني هو الغالب على تحركات التحالف في الوقت الراهن، والصواب ليس قرينٍا بهذا أو بذاك، بل هو متعلق بالقراءة الصحيحة للواقع واتخاذ الإجراء اللازم له، الذي قد يكون تصعيدًا، وقد يكون تراجعًا، ومع التصعيد الذي يقوم به العسكر والتضييق المتواصل على الاعتصام وتشويه صورته والتحركات المريبة التي يقوم بها في محيط الاعتصام، بذريعة القضاء على الظواهر السالبة في المنطقة المعروفة باسم «كولومبيا» وارتفاع أعداد ضحايا هذه التحركات وغيرها، أظن أن الإجابة واضحة لا تقبل المساومة.

الثورة تدخل إلى مرحلة حرجة، والعسكر يستعد للانقضاض عليها بدعم مباشر من السعودية والإمارات، والمضحك المبكي أن العسكر لو نجح في مسعاه فالبرهان سيكون أول من تتم إطاحته، وستنهار المؤسسة العسكرية التي عرفها الشعب السوداني في يوم ما، لتقوم على أنقاضها مؤسسة الميليشيات والعصابات التي يرأسها حميدتي ليدخل السودان في نفق مظلم، أما قوى الحرية والتغيير فالتاريخ لا يرحم، وأيًّا كان ما فعلوه فستكون الكلمات الأخيرة في صفحات تاريخ هذه الحقبة عن الفشل والإخفاق الذي أدى للسقوط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد