كم مرة كنت تسير دون هدى وتنتظر من الله اﻹشارة و”الزقة”، في الحياة ليست كل الطرق مغرية فنحن نستميت لنقرر ونبدأ السير، وما يكون إغراءً وسببًا واضحًا للمسير دون النظر للخلف قد يكون للآخرين مبررًا ودافعًا قويًا للهرب.

1- يحب الله الشجعان

يُصنفنا الله تبعًا للقدرة، القدرة على جهاد النفس، وعلى ردع الآخرين أن يغيروا لنا اتجاهات الرحلة، ويُحاسبنا على الشجاعة. الشجاعة في اختيار الطريق، في فهم الإشارات وإن كانت ضد ما نتمنى، شجاعة الإنسان في تغيير مصيره وسط جمع من المغيبين ومن اﻷضداد، تخيل معي في قرون الحياة اﻷولى، تعيش كل الكائنات في جماعات تتنقل وتتغذى، شجاعة أول ديناصور يخبر والديه أنه لا يستسيغ اللحوم، يفضل عوضًا عنها كل ما هو أخضر ويكره رائحة الدماء، ولا يجد من النشوة ما يجعله ينتظر الإنسان الأول أمام الكهف، ليظفر بـ “دراع أو حتى كُوع” بعد قسمة الغنيمة مع بقية الديناصورات في القطيع، سعادة وحزن ذاك الديناصور في آن عندما يعلم أن والديه كليهما أيضًا يفضلان النباتات، لكن خوفًا من الوحدة ونكران البقية فضلا العيش تحت وطأة قمع الرغبات وفي حماية الجماعة، لتخبر اﻷم وليدها أن “ياحبيبي ننقنق معاهم، ونتغدى في البيت”! كانوا هؤلاء أول من رضخوا لسطوة الكثرة وأول من طُبق عليهم أن السكوت علامة الرضا.

2- يُشفق الله على رؤوس عباده

يزورنا التخلف العقلي أحيانًا، كيف تركنا من نحب في غرفة مظلمة وحيدًا، لأنه ورغمًا عن إرادته توقف عن الكلام والتنفس. بمحض إرادتنا أوصلناه وذهبنا، كيف تجبرني الحياة على ذلك؟ يومًا أسير في شوارع المحروسة وظلت الفكرة مسيطرة على رأسي، تعلم كيف أن تسيطر فكرة على رأسك؟ تريد أن تخبرها لكل من ترى وتناقشه ليطمئنك تارة وليقنعك أخرى بأنك “أهبل جدًا وشيل الموضوع من دماغك” الفكرة تأكل في رأسي خلاياه.

ودعني أخبرك أيضًا أنني تعلمت أن ليس كل فكرة يمكن قولها. الوَحشة، كيف أعلم الآن أنها في أنس وليست في وحشة مماثلة للسفر وغربة المبيت وحيدة! كيف أعلم الآن أننا لسنا مخطئين، أسأل الله أن يشفق علينا ويجيب على أسئلتنا عيانًا. أوقف سيارة أجرة لأجد وراء مقعد السائق على المداس تطالعني “ثلاثية غرناطة”، يبدو أنها سقطت من أحدهم دون أن يدري، أتذكر الآن كم أن سائقي التاكسي محظوظون، يمتلكون كل ما ينساه الراكبون ويمر أمام عيني شريط لكل شيء أنا ومن أعرف سقط منا سهوًا ونسيناه في وسيلة مواصلات. “أفِر فيها” سريعًا لتقع عيني على آخر الرواية و”علي” يقول “لا وحشة في قبر مريمة!” تتلاشى مخاوفي وأطمئن.

أشعر الآن أن هناك شمعة عطرية صغيرة بجوار أمي وطبقًا من اللب الذي تحب وربما بيدها رواية لتمضية الوقت، أتيقن الآن أنها في أُنس وأنك أيها الحي الذي ترزق من يجدر به القلق من الوحشة، أقسم في سري أن أبنائي سأسميهم مريمة، مارية ومدثر، لأتحول حينها إلى فتاة أصيلة تعتقد أنها من الـ 1% الذي سيصاب بكل شيء وتستبق اﻷحداث وتبدأ فكرة أخرى تسيطر على رأسي “يا لهوي افرض طلعت ما بخلفش”.

3- يُمهل الله المترددين

أعطى لنا الله الطُرق، خيرها وشرها، أسلمها وأخطرها، أسرعها وأبطأها، وأعطى لنا أيضًا اﻹشارات والتوجيهات، وحتى ونحن نعلم أن كل الطرق تؤدي إلى روما نتردد في الطريق ونظل نردد أننا وحيدون في الاختيار. ففي كل زيجة تجد اﻷم تنصح ابنتها بـ “تبطل دلع وماحدش نافعك” وتنسى اﻷم أنها مع تسرعها واختيارها الخاطئ يرد الطلاق كمصير محتمل، وحينها حرفيًا ماحدش نافعها. شجاعة المصير والمشي في السِكة، تحدث عندما نتيقن أن فعلًا ماحدش نافعنا. المحاربون في سبيل الحب الخالص والقضايا المنسية هم أصحاب اليقين والحقائق الثابتة يسيرون في الطريق المظلم لأنهم يشعرون ويشعرون فقط دون أدلة مادية أنه خير، هم موقنون أن أيقونات الملائكة على جدارن الكنائس تحلق ليلًا في جوف الكنيسة وأن صوت خفق أجنحتها هو نبض قلب التائبين، يوقنون أيضًا أن آيات القرآن يمكن أن تتحول إلى هالة خضراء منيعة تحفظ وتحمي، تستحيل نورًا يخترق اﻷجساد فيشفي، يُطهر ويُغيث.

4- خلق الله الإجابات قبل اﻷسئلة

أركب سيارة الأجرة متأخرة ليلًا توشك الساعة أن تقترب من الثانية عشر إلا نصف، وأمني نفسي بالتوبيخ ومحاضرة طويلة عن سوء اﻷحوال الأمنية ومحاولة إقناعي بمبدأ أن تخرج مبكرًا لتعود مبكرًا والحرمان من الخروج لفترة، أنتظر أي شيء يعينني على ما أنا ذاهبة إليه، لا لم أجد كتابًا لعمر طاهر، ولكن تعالى صوت فيروز تغني جاءت معذبتي “فقلت نورتني يا خير زائرة، أما خشيت من الحراس في الطرق” ما احتمالية أن تستمع لقصيدة لـ “درويش” في سيارة أجرة مصرية لا تدندن أغنية شعبية عن الحب الضائع؟! سوف نتعلم يومًا متأخرًا صدق القائلين: إن لم تبحث عن الإجابات ستجدك هي، ويركض لك رزقك بذات سرعة ركض موتك لك. لا يفرق البشر بين عدم البحث عن إجابة وعدم تصديقها. تصلنا عطايا الله عندما نطمئن وتلك معجزة تمام اﻹيمان، سوء اﻷدب مع الله يكمن في عدم إجادة قبول الهدية. عند كل سؤال يرسل الله لنا إجابته، تتسع غرف السجون المظلمة، تنبت أزهار على الصليب الخشبي، تظهر أشعار في عقول مادحي النبي، فيحلق الدراويش، ويشع نجمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد