تقديم

الخير والشر وفلسفتهما هم من أكثر الأشياء التي اشتهر بها فريدريك نيتشه فيلسوف النازية الألمانية، واختلاف نظرته لهم هي من الأشياء التي جعلته في تلك المكانة العالية في الوسط الثقافي. أما عن أناتول فرانس، وإن خفت عنك شخصيته، فهو روائي ناقد فرنسي ولد عام 1844، وحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1921، واشتهر بالحيادية في رواياته بين الآراء الفلسفية جميعًا في كل شيء؛ فيقدم للقارئ وجبة دسمة من تجميع عظيم للعديد من الفلسفات، كلٌ بحججها، كما في تاييس مثلًا، أو الزنبقة الحمراء . هو – في نظري –  من أفضل الكتاب في القرن التاسع عشر على الأقل.

هكذا تكلم زرادشت عن ما ورائهما

في كتابيه ما وراء الخير والشر، وهكذا تكلم زرادشت، تحدث نيتشة عن الخير والشر بالتفصيل، وعن مفهوم من مفاهيمه الأساسية والذي بنى عليه فلسفته، وهو المنظورية: حيث يرفض فيه نيتشه القيم والمقاييس المطلقة، ويقبل حصرًا بتأويلات للعالم، أما صلاح هذه التأويلات فهو من حيث المبدأ النسبي البحت؛ لأنه منسوب إلى منظور معين تعبر عنه تقييمات ترجع بدورها إلى مطالب فيزيولوجية للحفاظ على نوع معين من الحياة. ولتوضيح أكثر: فقد قال نيتشه في كتاب هكذا تكلم زرادشت ترجمة فليكس فارس من خطبة ألف هدف وهدف لزارا: “تحقق أن ليس على الأرض من شعب تحلو
له الحياة دون أن يُخضع النظم والسنن لتقديره، وأن كل شعب يرى من واجبه إذا أراد الحياة، أن يجيء بتقدير يختلف عن تقدير ما يجاوره من الشعوب. وهكذا كان ما يراه أحدهم خيرًا، يراه الآخر دناءة وعارًا”. فمثلًا عزيزي القارئ، يرى بعض الفرنج من الغرب أن العذرية لدى المرأة هي عار، ويعيبها كونها لم تمارس الجنس قبل، ونرى نحن في الشرق أن المرأة التي مارست الجنس قبل الزواج عار ودناءة، وأنها قليلة الشرف والقيمة.

أيهما الصحيح؟!

في مثالنا السابق توضيح لمنظورية نيتشة، من منا هو الصحيح؟ أينا هو على صواب في نظرتنا للعذرية مثلًا؟ كمسلم، فسيكون البديهي أن أجاوب أننا الأصح، وأن الجنس قبل الزواج وانتهاك العذرية قبله عار، لكن ماذا لو تجردنا من نظرتنا الدينية، فلنفترض كوننا نقرأ ذلك قبل الإسلام فمن يكون الصواب؟ يقول نيتشة: “لقد أقام الناس الخير والشر، فابتدعوهما لأنفسهم، وما اكتشفوهما، وما أنزلا عليهم بهاتف من السماء”. وهذا يعني أن نيتشة يستند في منظوريته إلى عدم وجود الإله الذي يحق الصواب ويبطل الخطأ،أي أنه ينفي وجود مصطلح “صواب” ومصطلح “خطأ” من النظرة المحايدة الخارجة عن المجتمعات، ولاحظ عزيزي القارئ أنه إن لم ينف وجود الله لوقع في سؤال من الصحيح الذي يحبه الله ويرضى عنه، هل الزاني يفعل ذلك لشهوته وهو مخطئ في نظر الله على عكس العفيف الذي يكون صحيح في نظر الله؟ أم أن العفيف هو المنغلق الذي يريد أن يرى الذي أمامه مخطئ فقط للطبيعة المتعصبة لدى الإنسان؟ فمن لديه إيمان بالمنظورية يجب ألا يكون لديه إيمان بالله، وعدا ذلك فهو غير مصدق على نيتشه، وإنما لم يفهمه من الأصل، بل بقي في دائرة طرق التفكير الخاطئة والصحيحة.

تاييس ترد

لن أتحدث في شرحي لفلسفة أناتول، بل سأترك ذلك الجزء من الرواية من ترجمة أحمد الصاوي محمد يعبر عنها، وعلى القارئ أن يلاحظ أن هذا الحوار كان بين فلاسفة اليونان في مصر، الذين وصفهم نيتشة بالدوغماتيين في مقدمته لكتاب ما وراء الخير والشر:

“نسياس (لديه نفس أفكار نيتشة):

ما الخير وما الشر؟

مرت فترة سكوت، عرض فيها هيرمودور، وذراعاه مبسوطتان فوق غطاء المائدة، أتانًا صغيرة من معدن فيرونثي تحمل سلين، في أحدهما زيتونًا أخضر، وفي الآخر زيتونًا أسود، وقال:

انظروا إلى هذا الزيتون، فإننا نرتاح إلى اختلاف لونيه، ويروقنا أن أحدهما أخضر وآخر أسود، لكن لو وهب النطق والفكر والمعرفة، لقال الأخضر: خير للزيتون أن يكون أخضر، وبئس الزيتون الأسود، ولكان قوم الزيتون الأسود ينفرون من قوم الزيتون الأخضر، أما نحن فحكمنا أعدل من حكمهم، فنحن فوقهم، بقدر سمو الآلهة فوقنا، فالإنسان يرى جانبًا واحدًا من كل شيء، فيبصر الشر شر، والله يحيط بكل شيء علمًا، فيرى في الشر خيرًا. إن القبح بلا شك قبيح، لا جميل، لكن لو كان كل شيء جميلًا، لما ظهر كل شيء جميلًا، والحسن يظهر حسنه الضد، فلا بأس إذًا من أن يكون هناك شر، كالذي أثبته أفلاطون الثاني الذي يفوق سميه الأول”.

إذًا من خلال ما سبق يمكننا القول بإيمان أناتول بوجود خير وشر في يد إله، وإن كنا لا نراهما لعمانا ورؤيتنا للأمور بنظرة الزيتونة الخضراء، أما نيتشة فيقول بعدم وجودهما، وأنهما نسبات غير واقعية وحقيقية ومحسوسة.

الإشكالية الأكبر

هل الفطرة هي مصدر شعورنا بالخير والشر قبل الأديان؟ يقول محمد المنسي قنديل في روايته كتيبة سوداء، في وصفه للمكسيكيين أن الجنس بالنسبة لهم (وهذا في القرن التاسع عشر) كان كأي عمل آخر من طعام وشراب، لا يرون فيه ما يعيب وما هو خطأ، بينما نحن هنا في الشرق مولودون نرى الجنس خطأ، حتى قبل وجود الأديان، وفي عصور الجاهلية. إذًا ألسنا كلنا بشرًا؟ ألسنا في نفس الظروف؟ هل تأثر الغرب بالشرق أو العكس؟ فخالفه كما يدعي نيتشة، على الرغم من تفريق المحيط الأطلنطي كاملًا بيننا؟ على الرغم من أننا لم نرهم قبل القرن الرابع عشر، إذًا لنقل إن البيئة لعبت ذاك الدور بشكل أو آخر، فهل نحن جميعًا مفطورون على الصحيح والخطأ؟ هل شعورنا الخير والشر من الفطرة؟ يبدو أن لا .. فمثلًا كما يقول ول ديورانت في مجلده الأول من قصة حضارة إنه كان في القبائل من يرى أن المرأة لا تصلح للمعاشرة إن كانت بخصر متناسق، وإن كانت يدها من الأعلى مثل الأسفل. إذًا للبيئة الحصة الأكبر من نفي وتأكيد الصحيح والخطأ في كل شخص، فإن ولد هؤلاء القوم الذين حكى عنهم ول يرون النساء بعكس الشكل الموصوف، ويستمتعون بهن، ثم رأوا نساء بالشكل الموصوف؛ فسينفرون منهن. البيئة هي العامل الأهم، ولا علاقة للفطرة بتكوين الرأي في الخير والشر كما أعتقد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست