رواية الغرق من 260 صفحة ومن نشر دار العين.

في بداية القول يمكنني أن أقول إن حمور زيادة حكاء ممتاز، أدواته رائعة، لغته سهلة، تقرأ له فلا تكل ولا تمل، قد يرهقك الركض خلف الخيوط المتشابكة التي يخلقها الكاتب، ولكنه في النهاية يجعلك تصل بسلام بسبب سلاسة أدواته، بالرغم من أنه يصدمك بالواقع الذي تهرب منه دومًا، وكأنه يريد أن يخبرك أن العالم مكان وحشي لا مكان فيه إلا للظلم.

الغرق

بداية الأحداث تبدأ من نهر النيل، والعثور على جثة غارقة بحجر نارتي. قد نظن أن الرواية قد تدور حول هوية الجثة أو أصلها وسبب غرقها، ولكن حمور بدأ الرواية باللغز، وسار بنا حول حجر نارتي ذاتها.

حجر نارتي قرية صغيرة تمثل عالمنا، عالم صغير يحكمه التقاليد والعادات والأصول والونس؛ الونس الذي نجده في الحكايات التراثية، والذي نضيف إليه ونحذف منه الكثير، المهم أن يكون مسليًا، في حجر نارتي اتبعوا العسكر رغمًا عنهم بعد الانقلاب، دعموا الانقلاب خوفًا على مصالحهم وأملاكهم، رغم أنهم يعلمون أن لا أمان للعسكر، ورغم ذلك فقد أشار الكاتب في شخصياته إلى «الرضية» على أنها «العسكر أنفسهم».

من الرضية؟!

هي المرأة حامية التقاليد والأعراف، الشخصية المتزمتة التي لا يرضيها شيء، التي تقتل وتعذب من لا يعجبها، من وضعتها الظروف في منصب السلطة «زوجة العمدة» وجعلتها شدتها تتصرف وكأنها العمدة ذاته!

الجميع يحمل للرضية مظالمه، الجميع يهتم بقولها ويفعل له ألف حساب، هي السلطة ذاتها، هي الجاه والغرور، من تقتل وتنفي كل من لا يروق لها، هي السلطة «المرأة» التي لا يرضيها أحد.

حتى لو شق الجميع وجوههم بالطول وأقاموا بها «الشلوخ» فقط لإرضائها مثل سكينة

«وهل يوجد مثل سكينة» سكينة هي السكينة التي لا تدوم، والمرأة التي لا تعيش طويلاً، فقط لنتذكر أن الطيبين لا يدومون في الأرض.

كيف عبر الكاتب عن الظلم والسلطة ومأساوية الواقع؟

أشار حمور إلى أن السلطة للأعراف وللتقاليد، الطيبون لا يدومون في الأرض، والضعفاء سيقتلهم كل من له سلطة وله قوة، ستقتل الرضية أبناءكم؛ لأنها صاحبة القوى والوحيدة التي ترى أنها تصلح للسلطة وإقامة العدل، حتى لو أجبرها الأمر لقتل كل من يخالف، على مدار السنين تبقى الحكايات ويدوم الونس، والسيرة الحسنة تدوم إلى أمد الدهر، ولكن القهر يؤلم، والحزن يقتل، والحياة تسير ولا تقف على موت محب أو صديق، من يملك السلطة دومًا لا يملك القلب، ومن يملك القلب لا يملك القوة لتطبيق الحق، لذلك السلطة للأقوياء دومًا، حتى ولو كانوا العسكر.

رؤية الكاتب

في عمل صفحاته 260 صفحة خط الكاتب عن الماضي والحاضر وسار بنا نحو المستقبل المظلم، قد يحكم الوطن سلطة جائرة وتجد نفسك فيه مطاردًا ومتنكرًا من كل انتماءاتك، وتسلب منك الحياة رفاهية الاختيار فتكون مجبرًا على مواصلة الحياة جثة غارقة على وجه النيل. عدد الكاتب الشخصيات ورسمها بحرفية، جعل كل الشخصيات مشاركة في الأحداث، حتى من لا يشارك أو لا يبدو دوره مهمًا كان هذا باختياره، فمن يريد السلطة يسعى إليها جائرًا على الحقوق، ومع يريد العيش متبعًا التقاليد والأعراف عليه أن يعرف أن سكوته عن الظلم سيجعل الظلم مستمرًا حتى يأتي دوره فيُظلم.

تقييمي للعمل هو خمسة من خمسة، وتقييمي للغلاف 4.5 من خمسة، وفي النهاية حمور كاتب راقٍ صاحب قلم قوي، كل التحية والاحترام لحمور زيادة.

وفي الأخير، إن القراءة دومًا رحلة إلى عوالم أخرى عظيمة، لم ولن تخطوه إلا من خلال كتاب، فأكثروا من زيارات العوالم الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد