قد نجد الشاعرات المبدعات والكاتبات المتميزات اللاتي غيّرن مجرى الكتابة وتركن بصمتهن في عالم الأدب وتصدرت كتبهن المبيعات وتربعن أميرات في قلوب الكثيرين، حاصدات الجوائز والتكريمات والمتابعات. لكن لم يقتصر إبداع المرأة على الكتابة الأدبية فحسب، ولكن قد نجد المرأة الفيلسوفة التي كان لها تأثير في عالم الفلسفة عبر التاريخ أو في التاريخ المعاصر، عالم قد يُظن أنّه حكر على الرجال. 

الموقع الإعلامي buzzfeed، سأل قرّاءه عن أفضل فيلسوفة حسب رأيهم وبالتأكيد الكثير يعرف هانا آرنت Hannah Arendt، سيموان دي بوفوار Simone de Beauvoir وغياتري سبيذاك Gayatri Spivak، ولكن كما أشار الموقع هناك نساء فلاسفة علينا التعرف عليهم حتى من بعيد، تاريخيًا نجد هيباتيا الإسكندرية Hypatia التي تعد أول امرأة عالمة رياضيات وفيلسوفة تخصصت في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، والتي أعدمت بشكل شنيع غوغائي سلخًا بتهمة ممارسة السحر والإلحاد. ماري ولستونكرافت Mary Wollstonecraft، الفيلسوفة الإنجليزية التي دافعت عن حقوق المرأة وحقّها في التعليم كالرجل. هارييت تايلور ميل Harriet Taylor Mill، التي دافعت عن المساواة بين الرجل والمرأة وكتبت كثيرًا عن العنف المنزلي (لا تعلم أن العنف تفاقم والمساواة لم تحقق حتى في العصر الحديث). 

في التاريخ المعاصر، نجد الفيلسوفة الاسبانية ماريا زمبرانو María Zambrano التي ناقشت موضوع التصوف والدين، ويندي براون Wendy Brown التي تركزت بحوثها على النظرية النقدية المعاصرة. أومولارا أوغونديب ليزلي Omolara Ogundipe-Leslie التي تناولت موضوع اضطهاد المرأة خاصة المرأة الأفريقية سوزان مولر أوكين Susan Moller Okin التي انتقدت النظريات المعاصرة للعدالة.. وغيرهن الكثيرات حيث ذكر الموقع 37 شخصية نسائية فلسفية أبدعن في علم الفلسفة. 

فيلسوفة استثنائية وامرأة استثنائية

 هانا ٱرنت (Hannah Arendt).. (الترجمة الحرفية لاسمها حنة أو حنا، لكن أفضّل استعمال هانا).. سطع نجمها في علم الفلسفة في التاريخ المعاصر، والكثير يعرف عنها. فيلسوفة أعجوبة وذكية، رفضت لقب فيلسوفة، مفضّلة المنظرة السياسية وهو ما يليق بها أيضًا. 

صدفة جعلتني أتابع وأبحث كثيرًا في أفكارها.. لمحاولة فهم بعض رموز فلسفتها وفهمها كشخص ربما.

فمن هي هانا آرنت؟ فيلسوفة ألمانية من أصل يهودي هجرت مع والدتها إلى فرنسا ومن ثم إلى أمريكا حيث حصلت على الجنسية وعاشت ومارست الكتابة والتدريس وودعت الحياة. امرأة نابغة نبغت في تعلم اللغة وخاصة اللغة اللاتينية، حيث لا عجب أن تجد في كتاباتها الكلمات اللاتينية مع الترجمة. امرأة تلميذة الفيلسوف هايدغر ، عشقته عشقًا فلسفيًا انتهى باختياره لزوجته وابتعاد هانا عن الفلسفة إلى التفكير السياسي ناقدة الأنظمة الشمولية أو  «التوتاليتارية» Totalitarianism التي تبناها هايدغر. 

امرأة تدخن بشكل جنوني، كأنها تلفظ به أعباءها الفلسفية والسياسية الفكرية. تقديم كتابها الأخير حياة الفكر The Life of the mind ذي الجزئين التفكير (Thinking) والإرادة (Willing) كهدية لي، جعلني أعتبرها امرأة ذكية ومبدعة لكن لم أفهم الكثير ووجدت نفسي تائهة، فهانا أرنت عادت بي إلى القديس أوغسطينوس Augustine الذي لم أكن أعرف عنه شيئًا غير أنه قديس، وتجدر الإشارة أنه من الشخصيات المؤثرة في المسيحية الغربية ويعرف عنه العالم الغربي الكثير، رغم مولده في مملكة نوميديا (في الجزائر، وبعضهم يقول تونس) وناقشت فكر نيتشه، هيغل وهايدغر. فقررت مشاهدة فيلم سيرتها الذاتية الذي أطنب في قضية إيخمان في القدس Eichmann in Jerusalem. 

حيث لاقيت معارضة شديدة وهجومًا عنيفًا وصلت إلى التهديدات واتهامها بمعاداة السامية بسبب مقالاتها في «النيويورك تايمز» حول قضية إيخمان، التي حضرت هانا ٱرنت جلساتها في القدس. أدولف إيخمان، الضابط النازي الرفيع المستوى في الجستابو (الجهاز السري لحماية الدولة النازيّة أو كما يشار إليه سلاح «هتلر» السري) المسؤول عن عمليات نقل اليهود بالقطارات وإعدامهم في غرف الغاز. 

في ظل الاستبداد تسبق الأفعال دائمًا كل الأفكار. * آرنت.

ما الذي جعلها قضية شهيرة فلسفيًا؟ اعتبرت هانا أن الشر ليس جذريًا كما يقال، وأن الشر ليس مكونًا من مكونات البشر لا ينفصل عنه (عودة إلى الخطيئة البشرية الأولى)، رأت إيخمان كإنسان عادي نفذ الأوامر الشريرة بشكل شنيع، لم يناقشها، بل نفذها كمهمة عادية، هو عنصر من نظام شمولي بيدق فحسب. 

اعتبرت هانا أن إيخمان شخص تافه سطحي، وناقشت فكرة تفاهة الشر كعارض، لا كشر جذري متأصل في الإنسان. هي لم تدافع عن إيخمان ولم تقلل من جرائمه، بل عبرت أنها لم تجد وحشًا في الزنزانة، بل رجلًا عاديًا من نظام شمولي نفذ أوامر شيطانية دون التفكير، وهذا ما جعلها محط هجوم دون فهم عميق لنظريتها.

هانا أرنت منظرة سياسية بامتياز وفيلسوفة صنفت كأهم فلاسفة العصر الحديث، جلّ كتبها تحمل أفكارًا قد نأخذ وقتًا لفك رموزها، ولكن علينا القراءة لها على الأقل. من بعض الاقتباسات لهانا أرنت:

لا يمكن للعنف أن ينحدر من نقيضه الذي هو السلطة، وأنه يتعين علينا، لكي نفهم العنف على حقيقته أن نتفحص جذوره وطبيعته. وليس لدينا ما يُبرِّر تسمية كل انقلاب يجري بأنَّهُ ثورة، ولا أنْ نتلَّمس الثورة في كل حربٍ أهلية تحدث. فالشعوب المضطهَدة غالبًا ما تقوم بالتمرد، وأنَّ الكثير من التشريعات القديمة جاءت للتحوّط ضدّ انتفاضات العبيد، وإنْ كانت نادرة الوقوع.

أكثر الثوريين تطرفًا يتحول إلى محافظ في اليوم التالي للثورة.

إن القدرة على تجاهل المشتتات من بين المهارات الجوهرية المطلوبة للتفكير بشكل مبدع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات