رن منبة الهاتف محاولًا إيقاظي لصلاة الفجر، نمت متأخرًا الليلة الماضية، فتحتُ عينيي المجهدتين، مددت ُ يدي، تحسست مكان الهاتف حتى وجدته وأسكتُ صوته المزعج. حاول  معي مرة أخرى، عاملته بنفس الجفاء فلم يكررها. لم تمض إلا ثوان حتى رن الهاتف؛ إنه اتصال من صديق. استغربت اتصاله في هذا الوقت. لم يمنعني استغرابي من إلغاء الاتصال ومواصلة النوم. اتصل ثانية فارتبت في الأمر، خفتُ أن يكون  حدث له مكروه. أجبته قلقًا بعد أن طار النوم من عيني:

– آلو، ماذا هناك؟

-ألم تستعد بعد؟ تساءل صديقي مستنكرًا.

– لم؟ تساءلتُ  في دهشة.

– الرحلة.

-أووه، كيف نسيت أننا اليوم سننطلق إلى غار حراء.

أنهيت المكالمة على الفور، قفزت من على سريري جهزت نفسي على عجل وانطلقت  متوجهًا  إلى مكان التجمع؛ آملًا أن  ألحق بالأصدقاء .

في رحلة الصعود إلى غار حراء، مرت بخاطري أسئلةٌ كثيرة وتواردت إلى ذهني أفكارٌ مختلفة. وأولُ ماتبادرَ إليّ أن الصعود إلى الغار أمرٌ شاق. فكيف كان يفعلهُ صلى اللهُ عليه وسلم؟ كيف كان يعتزلُ القومَ وما بهم والحياةَ وما فيها ويصعدُ وحيدًا إلى ذاك المكانِ الموحش الخطير؟ لماذا لم يكتفِ بالعزلة فى مكان منبسط قريب من الأرض؟ لماذا الغار؟ هل كان يريد أن يتركَ الأرض بدنوها وفنائها ليصافحَ السماء بعلوها وأبديتها؟ هل كان يبحث عن نورٍ يمشي به في ظلمة الأرض وصبحٍ يشرقُ بعد طول غياب؟ هل كان يريد أن يعلو بروحه ويصعدَ بها بعيدًا عن تراب الأرض إلى نور السماء؟ ماذا في فكرة الصعود الشاق المرهق؟ أكان تدريبًا إلهيًّا ليتهيأ اإى خوض الطرق الوعرة؟ أكانت رسالة إليه «إن أردت أن تصل إلى السماء فاصعد وتحمل».

أرهقني الصعود، شعرتُ بالإعياء، بدا التنفسُ صعبًا، ما عادت تحملنُي قدماي، خفتُ أن أسقط من شدة التعب، لُمت نفسي لأني لم أدربها على السير في الطرق الوعرة، جلستُ على صخرة لأستريح، فكرتُ في الرجوع، ثم قررتُ العودة بالفعل. وأنا أهمُ بالرجوع رأيتُ أحد الأصدقاء أكبر مني سنًّا يصعد بصعوبة بالغة، بدا عليه الإرهاق لكنه بدا عليه أيضًا الإصرار على المواصلة. خجلتُ من نفسي التي اعتادت على الركون والدعة. فتراجعتُ عن قراري وواصلتُ الصعود برفقته. أدركتُ حينها «أنني وحيدًا قد استوحشُ الطريق وقد أيأسُ بسرعة».

أخبرني صديقي هذا ونحن على قمة الجبل، أنه لما رآني، استأنس بي وقرر أن يواصل الصعود بعد أن كان قد قرر هو أيضًا أن يعود.

كلما كان يتمكلني التعب، أنظرُ إلى العجائز وصبرهم وإلى الصغار وإصرارهم فأخجلُ من نفسي، وأدفعها إلى مواصلة الصعود. أدركتُ حينها «أنني لست وحدي في الطريق، وأن الذين يحاولون ويثابرون كثيرون، ولكني فقط لا أراهم. ربما لأني لا أرى إلا نفسي».

وأنا أنظرُ من الأسفل إلى مكان الغار، فوق قمة الجبل، شعرتُ كم هو بعيدٌ عني وكم أنا ضئيلٌ بالنسبة إليه! تهيبتُ الموقف وترددتُ كثيرًا في البداية. لكني ما إن شرعتُ في الصعود حتى تلاشى الخوفُ وتبدل اليأسُ بالأمل. أدركتُ حينها «أن علي فقط أن أبدأ لأكسر حاجز الخوف».

تذكرت من أعانني على هذه الرحلة، من دفعني إليها دفعًا، من أيقظني من نومي العميق؛ فقررتُ أن أمدُ للناس يدًا وألا أعيش لنفسي فقط.

نزلت بسهولة وبسرعة وبلا تعب. وهذا الأمرُ أقلقني فقد أنزل سريعًا، وقد أفقد في غفلة مني ما صعدتُ وتعبتُ من أجله فأصحو لأجد نفسي وأنا في القاع.

مكة- غار حراء

10-3-2017

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد