هل القرآن كتاب علمي بالأساس؟!

القرآن ليس كتابًا علميًا بالأساس، لذلك أنت في حِل من أن تعكف على كتب التفسير – التي لم يسمع أصحابها أصلًا عما تبحث عنه – لتثبت أن الجواري الكُنَّس هي الثقوب السوداء. أو أن العدد الذري للحديد Fe مذكور في سورة الحديد. أو أن هناك إعجازًا حسابيًا ما في عدد آيات سورة البقرة.

القرآن بريء من كل هذا التهافت المضحك المحزن، بريء من التلاعب بآياته ولَي أعناقها. بريء من المحاولات العابثة التي تنم عن قلة حيلة، ولا تأتي إلا بردة فعل معاكسة؛ لأنها لا تنطلي إلا على المغفلين.

القرآن موجود أمامك، إذا استطعت أن يكون لك من خلاله سبق في اكتشاف علمي ما فأهلًا وسهلًا وهذا وارد، لكن للأسف الشعوب العربية المعاصرة شعوب بليدة، اعتادت أن تأكل وتشرب وتنام وفقط، وإذا تحركت تتحرك متسلقةً على أكتاف الآخرين.

إن من غير المقبول أن يبقى شعورنا بالنقص وعقدة الخواجة ملازمين لنا حتى مع كتاب الله. ولا أفهم سر هذا الإصرار منا على الوقوف موقف مَن على رأسه بطحة أو موقف اللقيط الساعى لإثبات نسبه. هذا سوء أدب مع القرآن.

القرآن معجز رغم أنف الجميع، معجز في أسلوبه في براهينه الواضحة في كمال شرائعه ومقاصده، في تنبؤه بالأحداث قبل حدوثها وذكره لحوادث لم يسمع عنها محمد ولا قومه.

لكنه ليس كتاب فيزياء أو كيمياء أو رياضيات، هو أسمى من ذلك بكثير، فليس يرفعه شيء من هذا أو يحط من قدره. فلا داعي لهذه المهانة، لا داعي أن تتعامل معه كناقص تبحث عن كماله.

إذا أردت أن تكون مدافعًا عن دين الله فلا بد من أن تكون على المستوى الفكري والعلمي الذي يليق بهذه المهمة. لكن المؤسف أن الأستاذ الموقر الذي نصب نفسه مدافعًا عن الدين، وردد مرارًا أن التفسير علم كبير له أدواته، وبالتالي فليس من حق أي أحد أن يفسر القرآن بهواه أو أن يخرج علينا بنظراته وخواطره مع كتاب الله، في لحظة واحدة ينسف كل ما قاله ليُعرّض القرآن لتطفل المتطفلين.

وبالمناسبة، أنا لا أمانع أبدًا أن تكون الجوار الكنس هي الثقوب السوداء، بل هذا مما يزيد الناس إيمانًا، لكن ماذا لو لم يثبت الزمن صحة كلام الفيزيائين بعد أن جزمنا أن الله أقسم بالثقوب السوداء؟

اعتراضي على أن نجعل من آيات القرآن ألفاظًا مطاطة، تميل مع الأحداث حيث مالت.

ولا أكتفي بهذا الاعتراض فهناك ثانٍ وثالث حتى الآن، أما اعتراضي الثاني فهو مخافة أن يصبح هذا دأب الناس مع أي اكتشاف علمي أن يحاولوا إثباته قرآنيًا، وهذه القناعة لو ترسخت عند البسطاء من الناس، سيأتي يوم من الأيام إما أن يكذبوا العلم الملموس وهذا مستبعد في ظل الترويج المتعمد للعلمانية، أو يتهموا القرآن بالقصور حاشا لله نتيجة عدم فهم لماهية ودور القرآن في الحياة.

ومن الطرائف، عندي في الكلية أستاذ مقتنع تمامًا أن الأرض مسطحة، وليست كروية؛ لأن القرآن قال: وإلى الأرض كيف سطحت، وقد أشار لهذا القول القحطاني في نونيته، فقال:

كذب المهندس والمنجم مثله … فهما لعلم الله مدعيان
الأرض عند كليهما كروية … وهما بهذا القول مقترنان
والأرض عند أولي النهى لسطيحة … بدليل صدق واضح القرآن

وهذا خطأ، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على كروية الأرض، بل على كرويَّة الأفلاك.. والآية الدالة على تسطيح الأرض ليست دلالتها على امتداد الأرض ونفي كرويتها، بل على كونها ممدودة مبسوطة.. فلا تعارض بين كرويتها وبين تسطيحها.

والمسألة قديمة مشهورة، ويكاد النزاع فيها أن يكون ضعيفًا.

أما الدكتور مقتنع بكلام القحطاني تمامًا، وأن كل الصور الفضائية التي تصور الأرض على أنها كروية مؤامرة عالمية. والاعتراض الثالث أشرت له صراحةً، وهو أن يكون هذا باب للعبث في تفسير القرآن وتحكيم الهوى في تفسير آياته، فيفتح باب التفسير للمتخصص وغير المتخصص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد