لم تطأ قدمي تراب حمص يومًا واحدًا، ولم أعرف عن معالمها وأبوابها وشوارعها وحاراتها شيئًا على الواقع، إنّما كنت آخذ معلوماتي من وسائل الإعلام وروايات أهلها والمقالات والصور المرتبطة بحمص، فحتى أنا أستغرب من نفسي أحيانا هذا الهوس بحب حمص والتعلّق بها.

حمص مدينة خالد والغمد الذي سكن فيه سيف الله، وافترش ترابها وفاضت روحه الطاهرة إلى باريها على أرض حمص، فلهذه المدينة رمزية دينية لا تعطى لكثير من المدن، فخالد بن الوليد هو القائد الذي لم يهزم ولم يغلبه الموت في معركة، فمات على فراشه ولم يظفر بقتله عدو أو حاقد.

وكذلك حمص فهي لم تُغلب وجهًا لوجه ولا بأي يوم من الأيام حتى سيدنا خالد عندما فتحها استخدم الحيلة والخدعة في حربه، حتى بسط سيطرته على الرستن ولولا حنكة خالد ما كان ليدخل جيش بقوة عتاد ولا ضخامة عديد.

واليوم أرض حمص كلفت العدو آلاف من جنوده وعتاده ليظفروا ببابا عمرو، لا زلت أذكر الكم من الصواريخ والمدافع التي وجهت لهذا الحي فقط للسيطرة عليه، أسلحة لو وجهت نحو الجولان لبات المقاوم الممانع في معبر رفح بعد شهر لو كان صادقًا، ولكن مقاومته وممانعته كانت ضد أهل البلد وسكان الأرض الأصليين فهو لا يقوى على قراع المستعمرين.

ما وقعت حمص بيد عدوها من شبيحة وصفويين ونصيريين وشتى الميليشيات الحاقدة إلا بعد قتل وتشريد وقصف ورعب قل نظيره وندر شبيهه، ولم تسقط حمص إلا على جثث الآلاف من أعدائها ولم تستسلم هذا الأرض إلا بعد أن عادت كجسد خالد بن الوليد لا يخلو موضع شبر من ضربة أو طعنة.

لم ألتقِ بحمصيّ وتبادلنا الحديث إلا وجدته نبعًا من الطيب، يفيض أدبًا وخلقا، وأرى الوقار في وجهه والعزة في عينيه، نبرة صوت الحمصي هي حقنة أمان، وابتسامته دواء، ووقفته عنوان الكرامة.

كانت جارتنا في الرقة حمصية، وأول طالب لي درسته هو ابنها، غاب أهلي مرة عن البيت لمدة شهر لانشغالهم بأمور الزراعة في قريتنا فكانت أم مضر أمًا ثانية لي، تطمئن كل ساعة علي ولا تصنع لأولادها وجبة طعام إلا كان لي حصة كحصة أولادها، وحتى هذه الأيام ما زالت تتواصل معنا بين الحين والآخر وتسأل عنا.

رفيقي في دورة الخطابة في الرقة كان حمصيًّا أيضا، رجل في قمة الأخلاق ، كنا نجلس في مقعد واحد، وكان رجلًا ورعًا متدينًا محبوبًا، كان معه ماجستير في الشريعة ونجده بيننا متواضعًا ولا يتعالى بعلمه على أحد، حضرت معه أيضًا المستوى الأول في دورة علمية مكثفة  في الفقه والحديث وبعض الفنون الشرعية الأخرى، وأهداني المكتبة العطائية التي جمعها في حاسبه الشخصي وكنت أول شخص يأخذ نسخة كاملة منها.

ولا زلت في كل مرّة ألتقي فيها بحمصي أشعر بطيبة هذا الشعب وحلاوة عشرته ورزانته وحفاوته، فلا أجد نفسي إلا دائم التغزّل بحمص والهذيان بعشقي لحمص ولكأنّي أجد نفسي أحيانًا أذوب حبًا وهيامًا حينما أسمع اللهجة الحمصية، فما ضُمّت أوائل الكلمات يومًا إلا وجدت أذنيّ طربا لا يشابهه طرب، وتنتعش بسماع الكلام (الحومصي) الذي لا يستأذن القلوب ولا يطرق أبوابها بل يدخل مباشرة إلى القلب ويأسر الروح.

ولا أخفي القارئ سرًا أنّي أتوق إلى أن أخطب الجمعة على منبر مسجد خالد بن الوليد في حمص، ولا زال هذا الحلم في خاطري وأدعو الله أن يستجيب لي ويحقّق لي ما أبتغيه.

حمص الخالدة في قلوبنا والباقية في قلب كلّ حر، فلا معنى لسورية دون خاصرتها حمص، ولا قيمة لعشق إن لم يكن لحمص كفل منه، ولا طيب لعيش لا نشمّ فيه هواء حمص ولو مرّة في العمر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات