بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

يقصد بالمشترك الإنساني، تلك النقط التي يتقاسمها جميع بني البشر باختلاف ألوانهم، وألسنتهم، ومعتقداتهم، وهذا المشترك بين البشر قائم وموجود منذ وجود الإنسان على وجه هذه البسيطة، وقد أكد القرآن الكريم وجود هذه القواسم المشتركة، ودعانا إلى اكتشافها في قول الله عز وجل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»، فالغاية التي جعل الله الناس لأجلها شعوبًا وقبائل كما تدل الآية ليست التناحر والتنازع، ولكنها التعارف والوئام، وأما اختلاف الألسنة والألوان، واختلاف الطبائع والأخلاق، واختلاف المواهب والاستعدادات، فهو تنوع لا يقتضي النزاع والشقاق، بل يفضي إلى التعاون والحوار.

هناك منهجان أصيلان يحكمان العلاقة بين بني الإنسان، أولهما منهج التعارف لتحقيق المصلحة المشتركة، وهذا منهج الأسوياء، والآخر منهج التصادم لتحقيق مصلحة ذاتية نفعية على حساب مصلحة الآخرين، وهذا يعبر عن منهج الأشقياء، أما المنهج الأول فهو ما دعا إليه الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه كارودي في أطروحته «حوار الحضارات»، بينما المنهج الثاني يمثله صامويل فيليبس هنتنجتون الذي نادى بالصدام الحضاري من خلال كتابه (The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order) ، هذه الأطروحة التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، والتي يدعو فيها هنتغون إلى النزعة المركزية المفرطة، التي تريد أن تصب الإنسانية في قالب واحد، منكرة بذلك حق الآخرين في التمايز والاختلاف.

ومن هذا المنطلق انبثقت فلسفة المشترك الإنساني لإجهاض هذا الصدام الحضاري، الذي ينذر بهلاك الإنسانية، لا لشيء سوى لأن مجنونًا -أو بضعة مجانين- يريد أن يفرض على الناس معتقده وأيدولوجيته بالقوة، وفي هذا السياق يقول الدكتور أحمد الفراك: «فقد كان من خصائص التفكير الإسلامي المتصل بالبعثة النبوية أنه عالمي يستوعب العالمين، ومنفتح على الآخرين المختلفين، يتسع لجميع الأفكار، والهويات، والألوان، والأعراق واللغات».

فالمسلم إذن بوصفه شخصًا رساليًّا منفتحًا على العالم في ما يعود عليه وعلى أمته بالنفع، وذلك أن الانفتاح على الإنسان، والتعايش معه مقصد مهم من مقاصد الإسلام العظيم، وهذا ما غفله وتناساه المسلمون لفترة طويلة، أن الرسالة الإسلامية تتجاوز قبيلة قريش، وتتجاوز شبه الجزيرة العربية، وتتجاوز العرب لتصل إلى العالم والإنسانية جمعاء، وليس غريبًا أن النبي –عليه الصلاة والسلام- كان يوظف لفظ «يأيها الناس» في خطبه أكثر من توظيفه للفظ «يأيها الذين آمنوا»، وتعد وثيقة المدينة النبوية مثالًا راقيًا على ترسيخ ثقافة التعايش والمشترك الإنساني.

لقد وضع الإسلام قاعدة جليلة في التعامل مع الآخر، بينت أن الأصل في معاملتهم هو الحسنى والبر، وأساس هذه العلاقة وضابطها هو قوله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ»، وهذا بالنظر إلى أن الاختلاف سنة كونية لا يمكن جحدها أو إنكارها مصداقًا لقول الباري جل وعلا: «وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم»، بيد أن المسلم ليس وحده المطالب بتعزيز قيم الحوار والتلاقح الثقافي، فما فعلته أمريكا في احتلال العراق وأفغانستان من نهب الثروات وإزهاق الأرواح، وما تفعله روسيا من مجازر في سوريا، كل هذا ينمي عقيدة كراهية الآخر، ويزرع بذور الصدام الحضاري، ويقلص كذلك من فرص بناء المشترك الإنساني الذي يعود على العالم بأسره بالمنفعة.

إن فلسفة المشترك الإنساني لا تعني الذوبان في الثقافة المهيمنة، ولا هي بدعوى لتكريس الانهزامية وعقدة النقص، ولا تعني أيضًا القطيعة مع معتقداتنا من قبيل مركزية الإسلام، والتفاضل العقدي عند الله، فالغاية الكبرى من بناء المشترك الإنساني هي الاعتراف بالآخر المختلف، والبحث معه في عناصر الاتحاد والاتفاق والتفاهم، وهذا يقتضي احترام الخصوصيات الثقافية، وعدم قولبة الإنسان أو فرض الوصاية الفكرية عليه.

وفي الختام، نخلص إلى أن إشاعة ثقافة التعارف والقواسم الإنسانية المشتركة كفيل بأن يزيل فتيل التوتر بين الدول، ويقلل من النزاعات والحروب بين الأمم، ويعمل على تنمية حوار الحضارات، وتعدد أشكال عمارة الأرض، ولا يجري التواصل والتفاعل الإيجابي مع هذه الرسالة، إلا بانتفاء عوامل التوتر والإكراه والصراع الحضاري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فلسفة المشترك الإنساني بين المسلمين والغرب -أحمد الفراك
المشترك الإنساني نظرة جديدة للتقارب بين الشعوب -راغب السرجاني
في المشترك الإنساني تأسيس مقاصدي -محمد شهيد
المشترك الإنساني في الرؤية القرآنية -أحمد آيت لمقدم
عرض التعليقات
تحميل المزيد