لا يُطاوعني القلم، ضجّة عارمة بداخلي، وثرثة وأسئلة تأبى الخروج، عفونة تبلغ من النّتانة أنها تخنقنا جميعًا على حد قول دوستويفسكي، هل سيذوب الجليد القطبي إن نحن فكرنا في من هم في مُعتقلات الوطن؟ الذين اعتقلوا ليجلبوا العيش الكريم لنا.. العمال المنقادون المهدورة حقوقهم، السكان في قلب الأطلس المتجمد، الأطفال اليتامى على الأرصفة، وفي حاويات القمامة، وفي أركان الحروب.. مبتوروا الأيدي وذوو الاحتياجات الخاصة، ومن هم محطمو القلوب، وكل بؤساء العالم.. ونحن بكامل تكويننا الجسدي، وبكامل قدراتنا الإدراكية، وبكل طاقاتنا المدخرة.. ماذا نقدم؟

كفى وألف كفى!

الإنسانية أكبر من أن تكون هتافات وشعارات.. وكتابات وصور، التفتح الفكري أكبر من أن يكون دعارة عقلية، الفكر الحر ممارسة، الإنسانية احترام ووفاء وأدب، السلفية أسلوب حياة لبعضهم، النقاب أو الإسدال رداء يجب احترامه باسم الإنسانية والتعدد الفكري، العادات والتقاليد تُحترم بحكم الاختلاف، ما من متشدد وما من متخلف غير الذي يذُمّ وينتقد طرق عيش الآخرين وطوائفهم باسم الإنسانية، ويستمر في ممارسات مُؤذية في إطار التعامل مع الغير – الإنسان – فكما قال عبد العزيز القناعي «إن الإنسانية رُتبة وليست دينًا، يصل إليها الفرد بعد أن يتجاوز عن أنانيّته، وبعد أن ينصهر مع الآخر المُختلف، وبعد أن يقبل المُختلف عنه في التّفكير والدّين والمُيول الجنسية والفكرية». الحياة أصغر من تمضيتها في خداع الذات وخداع الآخرين بشعارات زائفة.

وحين تبرُزُ الانتهاكات والجرائم المُتعلقة بالإنسانية وحقوق الإنسان تبتلع الأرض كُلّ ناطقٍ باسمها، فجأةً تختفي كُل المنظّمات المُتشدّقة بتطبيقات حقُوق الإنسان والحريّات، كلّ الاتّفاقيّات والمَواثيق التي عُقدت أمام أنظار العالم، بين عشيّة وضُحاها تُسحق العدالة الاجتماعية تحت وطأة القوى العُظمى، كل هذا يفضح حقيقة ثابتة مفادُها أن دولة الحق والقانون ليست كذلك عندما يتعلّق الأمر بمصالح الرّعية، ولو كان ذلك على حساب الحق في الحياة، وإنّه لحريٌّ بنا أن نفهم هذه الخُدعة التي تُمارس علينا.

كيف يجب أن نتصرف؟ وهل ينبغي أن نكتفي بالصمت والجمود في هكذا مواقف؟ لماذا نُنظّر لحقوق الإنسان إن كنا لن نطبقها، ولسنا على استعداد للدّفاع عنها؟

ننشغل بإعداد أطباق الطعام الشهية، وتزيين الموائد ومشاهدة المباريات.. بينما آلاف الناس يموتون جوعًا وبردًا بمناطق عدّة، نولي أهمية كبرى لمهرجانات التفاهة، للقهوة الصباحية والاعتناء بالبشرة.. بينما مئات السياسيين والحاكمين يقومون بتبديد الثروات ونهبها وتفقير الشعوب.

ينبغي أن نكون عكس ما يريدون، أن نزرع الوعي فينا وفي الآخرين، لأجل إيقاف نيران مدافع الجهل، وقمع قذائف الفساد، ينبغي أن نعمل نحن لأجل خدمة الإنسانية، بأفكارنا ومشاريعنا الصغيرة، أن ننمي قيم التضامن والتعاون والتضحية والسعي لتحقيق سعادة الإنسان. أن نحيي الضمير الأخلاقي بدواخلنا، فيتبادر إلى ذهنك ما سيحتاجه الكوكب من ماء كلما فتحت الصنبور، فتعيد التفكير في محتوى القناة أو المنشور قبل أن تضغط على زر «اللايك»، أن تهتم بتشجيع المبادرات الشبابية من حولك، هي خطوات بسيطة، لكن أثرها جد عميق.

صحيح أنه لا يمكن أن نهتم بكل شيء، ونعرف كل شيء عن أي شيء، باستثناء بعض الأفراد الذين تكون لهم تلك القدرة الاستيعابية الهائلة والقُدرات الفريدة على الإحاطة بالكثير من الأمور. الخوض في مجالات ليست لنا، ولا نفهم فيها إلا القليل، ما هو إلا تضليل لنا وللآخرين، واستفحال للضياع كالسير في طريق مسدود. كما يقول أستاذ الفلسفة «هذا عصر التخصص». ليس عيبًا أن نهتم بالدراسة والبحث في قضية واحدة لا غير، ونُوجّهها نحو الهدف والغاية التي يجب أن يتضافر الجميع لتحقيقها.

أن نحقق مجتمعًا تشيع فيه الإنسانية فذلك يتطلب جهدًا كبيرًا، لكنه ليس بمستحيل، يتطلب الأمر أن نكثف جهودنا في عملية البحث في التاريخ وهويات الشعوب لنقف بوجه تيارات العولمة التي تسعى لتذويب الثقافات في بوثقة ثقافة واحدة وطمس التاريخ، فأن نعيش بإنسانية معناه أن يحتفظ كل فرد منا بخصوصياته مع احترامه لخصوصيات الآخرين، إذًا فدراسة التاريخ وإثبات الهوية جزء من الهدف.

كما يتوجب البحث في الأزمات السياسية التي يعاني منها واقعنا، وإعادة النظر في مشاكلنا الاجتماعية وكشف العوامل المسببة لها، وكذا التنقيب عن جذور مشاكلنا البيئية ومحاولة معالجتها، ونبش المزيد من الأزمات والأمور الحياتية التي تحتضر فيها حقوق الإنسان.

قد نتعرف على أشخاص كثر، لكلّ منهم ميول خاص في مجالات مُتباينة، قد ندفعهم ليستثمرو في مجال تميّزهم ليكونوا جزءًا من الهدف الذي نصبو إليه. على هذه المجهودات أن تكون مُكمّلة لبعضها البعض، وأن تسير جميعًا نحو هدف واحد، فتجميع أبحاثنا وتوحيد مجهوداتنا هو السبيل الوحيد لخلق شيء جديد مختلف عما هو كائن. أن ننقل الإنسانية من صوريّتها لنطبق مبادئها على أرضيّة خصبة، هذه العملية لن تطلب سنة أو سنتين من الزمن.. قد تستمر لعقود، لكن الأهم هو ألا تمُوت الفكرة وتبقى حيّة للأبد، على كلّ منا أن يُسهم من موقعه، ليس بالضرورة بدراسة أو حقيقة يتوصل إليها، فباستطاعة الجميع أن يشارك من خلال جعل أنفسهم سفراء للإنسانية، من خلال جعل الإنسانيّة تتجسد في روتيننا اليومي، فكل شخص منا نبي، كل إنسان يحمل رسالة الإنسانية كبذرة صغيرة مزروعة فينا ينبغي أن نواصل زرعها والاعتناء بها؛ لأن الإنسان يحتاج أن يكون إنسانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد