إنصافًا للدور العلمي والثقافي الذي قاموا به وجب علينا أن نسرد تفاصيل عابرة للدور الفعال الذي ربما استطاعوا من خلاله بتمكن من الإخراج برؤية موحدة لعلوم شملت كافة المجالات، لم يحصروا إنتاجهم العلمي والفكري في نطاق محدد بل إبداعاتهم الفكرية والفلسفية تجاوزت جزئيات الخيال، فأبدعوا وصدقوا في رسائلهم، أعدو وجمعوا مكتبة علمية متكامله فيها الكثير من العلوم المتنوعة والثقافات الشاملة، والتي هي اليوم مرجع ومصدر موثوق في معلوماته ونظرياته.

كان لهم أسلوبهم الخاص وهم يألفون حصيلة رسائلهم العلمية، اتبعوا النهج والمنطق الصريح في تفسيراتهم للظواهر الطبيعية والكونيات والهندسة، لم يسهبوا كثيرًا في التفاصيل أو الحشو الفكري المألوف بل كان لهم انتقاء في طرح الظاهرة وتفسيرها بالنظريات والإثبات والحقائق المسلم بها والتي لا تقبل الاجتهداد الذي يفتقر لمعايير البحث العلمي وأسسه.

إنهم جماعة إخوان الصفاء وخلان الوفاء مصابيح العلوم وروادها في الحياة والكونيات، وخير ما جاء في العلم والفلسفة والمنطق، رغم وجود التغييب المقصود والتجاهل للدور الذي قاموا به.

لا أشمل ولا أجمع ولا أصدق مما قرأت سوى أني وجدت كل ذلك في موسوعة علمية فلسفية متكاملة واحدة، جمعت علوم الدين والحياة والفلسفة والمنطق في رسائلها المجمعة «رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء» أنقى وأفصح رسالة على الوجودية جاء بها مجموعة أئمة أطهار مستورين في عهد الدولة العباسية التي شهدت أحلك عصورها ومراحل حكمها نتيجة الضعف والركود الثقافي والتنويري، حين شاع فيها التنجيم والدجل والاعتقاد بالخرافات والأساطير الواهية، حتى ظهرت جماعة واعية متنورة حكيمة عملت في الدور المستور لتكتب أصفى علوم الدين والفلسفة والاعتقاد لتدحض كل خرافات المُدعين والمنجمين في العهد العباسي، لتكون هي حاضرة ثابتة بمسلماتها وفلسفتها العلمية التي جمعت بين الدين والفلسفة والاعتقاد والمنهج السليم والمنطق الصريح.

ذاع صيتها في موثوقية علومها واتزانها فكانت بمثابة الدستور العلمي الشامل التي تتوجت به علوم العصر إنذاك، ومرجع علمي لكل علوم الكون وهندسة الفلك والهندسة بفروعها، والمنطق والجغرافيا والأرض والطب والكيمياء والفيزياء والأحياء وغيرها من العلوم الشاملة الجامعة..

وجمعت في اثنين وخمسين رسالة توزعت في شتى العلوم والمجالات ولم تقتصر على جانب واحد وإنما جاءت على أقسام مقسمة إلى أجزاء ورسائل عديدة محكمة بداية من القسم الأول والذي ضم القسم الرياضي الفلسفي والموزع على أربعة عشر رسالة وهي كالتالي:

محتوى الرسالة الأولى: في دراسة العدد وكيفياته وماهياته، ومحتوى الرسالة الثانية: في دراسة الهندسة الجيرماطيقية والمختصة في فهم وفلسفة المحسوسات والمعقولات، ومحتوى الرسالة الثالثة: في النجوم الإسطرلومية المختصة في دراسة الهندسة النووية وتراكيب النجوم والأفلاك ومداراتها، ومحتوى الرسالة الرابعة: في الموسيقى وكيفية صناعة الألحان والتوزيعات ومدى تأثيرها، ومحتوى الرسالة الخامسة: في الجغرافيا ودراسة كروية الأرض وتقاسيم الأقاليم والتضاريس، ومحتوى الرسالة السادسة: في النسب العددية والهندسية، ومحتوى الرسالة السابعة: في الصنائع المهنية الخاصة بالحرف والمهن، ومحتوى الرسالة الثامنة: في الصنائع العلمية والمختصة بالمهن المدروسة كالطب والهندسة والكون والفلك والكيمياء والذرة وتفاصيل أجزائها والتعدين والتنقيب، والاقتصاد، ومحتوى الرسالة التاسعة: في الأخلاق وتعليم مكارمها وفضائلها، ومحتوى الرسالة العاشرة: في الإيساغوجي والمقصود فيها الستة ألفاظ في المعاني والتي يستخدمها الفلاسفة في المنطق وفيها تعليم الإنسان كيفية التعليم والتعاطي بين الكلام الفلسفي والكلام المنطقي، ومحتوى الرسالة الحادية عشر: في القاطبوغرياس وهي الألفاظ العشرة التي يقصد فيها فهم المعقولات الكليات في المنطق الفلسفي، والتي غرضها التعرف على الأجناس والأنواع، ومحتوى الرسالة الثانية عشر: في الباريمانياس أو ما يقصد بالعبارات، كتاب أرسطو في العبارات وأدوات المعاني، ومحتوى الرسالة الثالثة عشر: في الإنطولوطيقا الأول أو ما يسمى بالقياس وكميات القياس المستخدمة في المناظرات وآراء المذاهب، محتوى الرسالة الرابعة عشر والأخيرة من رسائل القيم الرياضي المنطقي الإنطولوطيقا الثانية أي البرهان ما يقصد فيه هو ميزان البصائر.

وبعد رسائل القيم الرياضي تسلسلت الرسائل وجاءت على أقسام متتالية كلها تراكمات معرفية لما سبق شرحه وسرد تفاصيله، لكن هناك جاءت رسائل في الأقسام الأخرى كما جاء في القسم الجسماني والطبيعي ويضم أيضًا أربعة عشر رسالة، والقسم الثالث النفساني العقلي ويضم عشر رسائل، والقسم الناموسي الإلهي والشرعي ويضم إحدى عشر رسالة وكلها فيها العلوم المفيدة والبلاغة الرصينة والاختصار المؤجز الخالي من الإسهاب والوصف غير المُجدي.

جُمعت كل هذه الرسائل وكانت بمثابة المرجع العلمي الأول وإلى اليوم لما فيه من صدق ومصداقية في الوصف والبعد عن المبالغة بذاتها خالية من التفسيرات المغلوطة وجميعها خضعت للبرهان والتفسير لكل ظاهرة علمية.

إخوان الصفاء وخلان الوفاء جميع كتاباتهم كانت صريحة وتحمل في طياتها معاني وحقائق تجاوزت دقائق التفسير الصريح، ولهذا السبب توجد هناك صعوبات حادة في فهمها من قبل السطحيين والرافضين لدورهم النشط والفعال ولهذا الإرث العلمي.

في عهدهم كونت كيانات مضادة فألقوا عليهم تهمًا باطلة كالإلحاد والزندقه لأنهم فقط جماعه اجتهدت وأنتجت علمًا نافعًا وحقائق لا خطأ يذكر فيها، ولأنها جماعة لأ تؤمن بالنهج المغلوط الذي يتبعه أغلب المؤلفين.

إخوان الصفاء وطيلة فترات التأليف والتدوين لكل هذا العلم والرسائل الزاخرة بالتنوير الفكري لم تبخل في تحديد رؤية محددة وأهداف طويلة المدى حتى تبدأ في رسم خارطتها للإنجاز المبكر للهدف الأول، وهو عمل رؤية موحدة تعمل على التقريب بين الدين والفلسفة والالتزام بالمنهج والمبدأ الذي لا يفرط بمسلماته، ومن هذه الرؤية تكونت فكرة الإنتاج لكل رسالة ووصفها وإخراجها بالمنظور الذي يوافق رؤيتهم وطموحاتهم الفكرية.

كانت التقية والستر هو الإنجاز الأكبر لتكوين كيان الحركة العلمية لهم ومن ثم البدء في التنقيب والبحث عن الظواهر والعمل على تفسيراها تفسيرًا قائمًا على الاستدلال والنقاش والتقييم والمتابعة والوصف الحقيقي للظاهرة المدروسة، ولكل حدث يقومون به، ونتيجة لصحة وموثوقية رسائلهم استمر التحديث والتطوير حتى جاء العالم الجليل والطبيب الشهير ابن سينا، والكرماني، وهم من علماء المذهب الإسماعيلي الطاهر وأحد مرجعيات علمائه وفلاسفة زمانه ومؤسسو ثقافة المذهب ومرجعياته بعد الأئمة السابقين ورواد التأليف العلمي.

وإلى يومنا هذا تعتبر أفكار ورسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء بالنسبة لمن يؤمن بعلومهم وفكرهم مرجعًا ساميًا ومنهجية صحيحة لا تقبل التعديل أو العبث في محتواها مهما كان حجم الباحث وقدراته تظل مسارًا علميًا شاملًا يحوي كل العلوم في رسائل مختصرة ومفيده جُمعت لتكون مصباحًا منيرًا للعلم والمعرفة والثقافة والتنوير.

الرسائل بذاتها مرت بفترات تتالت عليها انكسارات المراحل ومنعطفات الحركة ولم تندثر وكانت هناك محاولات عديدة لطباعتها مرات متتالية، فأول طباعة لها كانت في بداية القرن الثامن عشر تحديدًا في عام 1812 في الهند، ومن ثم طبعت مجددًا في نهاية عام 1889 في مدينة مومباي في الهند وهي الطبعة ذات النسخة المُحققة والمتكاملة والتي ظلت المرجع الرئيس لسنوات عديدة حتى منتصف القرن العشرين وتحديدًا عام 1957 تم عمل طبعة مضافة في مدينة بيروت في لبنان تم تدقيقها من قبل بطرس بستاني وهناك أيضًا نسخة قام بتدقيقها الكاتب طه حسين وإلى عام 1995 قام المؤلف عارف التامر بتحقيق طبعه أخرى في بيروت وما زالت متداولة في المعارض الدولية والمكاتب الثقافية في بيروت والقاهرة وبغداد ودمشق ومعمول بها نوعًا ما كمصدر محقق من صحة تدقيقه.

هناك أيضًا نسخة محققة ويعتمد عليها كمصدر موثوق لأخذ المعلومة المستخدمة في الأبحاث العلمية التي تتطرق للرسائل نفسها وهي نسخه نتاج مشروع تبني الحفاظ على هذا الإرث العلمي والثقافي والتنويري في معهد الأبحاث في جامعة أوكسفورد البريطانية وبالتعاون مع معهد الدراسات الإسماعيلية والذي مقره في لندن كان الإصدار الأول منها في عام 2008.

وإلى هنا نكون قد سردنا تفاصيل بسيطة جدًا وكمقدمة عابرة للدور الفعال والكبير للجماعة وحركة قدمت الكثير وبذلت جل تهتمامها في العلم والبحث والثقافة والتنوير لتخرج برسائل واضحة البيان والرؤية والإلمام الجامع لكل علوم الحياة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد