كل قضايا التحرش في مصر زوبعة في فنجان. تبدأ الأحداث كأنها عاصفة، ثم تهدأ قليلاً وتنتهي إلى لا شيء. لا توجد قضية من هذه القضايا استمرت لأكثر من أسبوع إلا ويطويها النسيان بحادثة أخرى وهكذا. تمامًا كأننا مجتمع الأسماك الذي يلقي إليه الصيادون بالصنارة، فلا الأسماك اكتشفتْ هذه الحيلة وهربتْ منها، ولا الصيادون غيروا من طريقتهم.

غير مقبول أبدًا أن نُعيد نفس الجدل، بنفس الكلمات. ينتهي الخلاف كل مرة بمعركة بين دعاة الحرية (البنت تلبس اللي هي عايزاه والتحرش جريمة)، وبين دعاة الاحتشام (التحرش جريمة لا مبرر لها، بس المفروض كمان البنت تلبس ملابس محتشمة). لا يوجد في النقاش خطوة إلى الأمام تربط بين التحرش وقضايا الحريات والبطالة والعلاقة بين السلطة السياسية والدينية وبين التوظيف السياسي لجسد المرأة. فقط معركة وجدل سخيف حول نفس الأشياء ثم ينتهي إلى لا شيء.

قضية التحرش ليست قضية اجتماعية فقط، وإنما قضية سياسية أيضًا. هذا التحرش الممنهج الذي تتعرَّض له النساء في مصر يؤذي أكثر من نصف المجتمع، وهذا يعني أن نصف المجتمع بالكامل يعيش تحت التهديد باستمرار. بالتأكيد هناك أطراف مستفيدة من هذا التهديد ومن عدم الإحساس بالأمان، لو كان هذا التهديد لمؤسسة من مؤسسات الدولة كانت السلطة ستجد حلاً لهذه المعضلة، كانت أجهزة الدولة ستتحرك بسرعة من أجل حماية النظام والدولة.

موضوع التحرش يشتبك مع قضايا أخرى لا نتحدث عنها في هذا السياق على الإطلاق. كيف تتم صناعة المتحرشين في مصر من خلال رداءة التعليم والتربية؟ التعليم الرديء يُخرج لنا مواطنًا رديئًا. كيف تتناول الأغاني وأفلام السينما ومسلسلات التليفزيون قضايا المرأة؟ أشهر متحرش في السينما المصرية هو الفنان عادل إمام الذي ظل يعتمد في كل أفلامه على استباحة جسد أيّ امرأة تحت دعوى أن هذه هي الكوميديا. ورغم هذا، فالفنان عادل إمام يتمتع بتاريخ أسطوري يعطيه سلطة وتأثيرًا جبارًا في الأجيال المتلاحقة دون أن يجرؤ شخص على الحديث عن تأثيره كمتحرش علَّم الناس أن جسد المرأة بضاعة مجانية وساحة لاستعراض الفحولة. الحاصل أن المجتمع – بفضل عادل إمام وأشباهه – يعتبر أن ملامسة جسد المرأة والتحرش بها هو نوع من خفة الظل والكوميديا.

عندما يفتح شخص فمه ويطالب الفنانين بالشعور بالمسؤولية عما يقدمونه من أفلام وأعمال درامية سوف يجد اتهامات بالظلامية والتطرف والرجعية ومعاداة الفن والفنانين، وكأن هناك حرية في المطلق لكل شخص يفعل ما يشاء بلا وازع من ضمير أو أخلاق. لا أقصد هنا أن نضع سكين الرقابة على رقبة كل فنان حتى يكتب ما نريد. أنا أقصد الالتزام النابع من داخل كل فنان والمسؤولية التي يتحملها تجاه المجتمع. إن حرية الفنان داخل أفلام السينما والأعمال الدرامية في أن يتحرش بالنساء وأن يُحَوِّل جسدَ المرأة إلى مادة للسخرية لا يختلف عن المتحرش الذي يفعل هذا تحت اسم الحرية. كلاهما يمارس حريته. لماذا نطلق للفنانين العنان لصناعة أفلام تدمر أجيالاً ثم نمنع المتحرش من الاستمتاع بالحياة؟ كلاهما يمارس الحرية.

عندما نصرخ بأن قضايا مكافحة الفقر والأمية والنهوض بالتعليم هي قضايا أمن قومي لا أحد يصدق. بعض الناس في مصر يعتقد أنه ما دام يعيش داخل أحد الكومباوندات المغلقة وأولاده يتعلمون في مدارس أمريكية بعيدًا عن الفقراء فليس لديه أي مشكلة، لكن هذا خطأ. فأبناؤه في النهاية لا يعيشون في أبراج. هم -شاؤوا أم أبوا – جزء من مجتمع كبير. سوف نخرج في النهاية من الكومباوند ونلتقي بهؤلاء المهمشين والفقراء الذين سيُحَوِّلُون حياتنا إلى جحيم. إن تَحَضُّر أي مجتمع لا يُقاس بتحضر الطبقة الغنية الراقية في المجتمع، وإنما يقاس بتحضُّر عامة الناس لأنهم في النهاية أكثر عددًا. صدِّق أو لا تصدِّق، حتى سكان الرحاب ومدينتي والعاصمة الإدارية سوف يحتاجون إلى زيارة القاهرة وأهلها المساكين. سيكون المتحرشون في انتظارهم بالتأكيد للترحيب بهم.

قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كان منتهى أمنية كل شاب أن يفوز برؤية الفتاة التي يحبها، ويصبح حظه عظيمًا إذا استطاع أن يحصل على صورة لها. أما الآن في زمن مواقع التواصل، فقد أصبحت الصور والفيديوهات مباشرة من غرف النوم وبملابس المنزل، وأصبحت صور كل الفتيات مجانية على فيسبوك وإنستجرام وسناب شات. هل يعقل أن تصبح بيوتنا وغرف نومنا مفتوحة لكل من يريد أن ينظر إليها؟ كثير من الناس يستهينون بخصوصيتهم وبتفاصيل حياتهم كأنهم يعيشون بمفردهم في هذا العالم. لماذا نعرض تفاصيل حياتنا على الملأ بهذه الطريقة؟ إن هذا بالتأكيد قد ساهم في اجتراء كثير من الناس على أجساد النساء وحياتهنّ الخاصة بشكل يدفع ثمنه الجميع. كثير من المنحرفين ذهنيًّا ومرضى القلوب الآن يتخذون من مواقع التواصل الاجتماعي الشبكة التي يصطادون بها الفتيات.

لماذا يتحدث الناس عن ملابس المرأة كلما وقع حادث تحرُّش كأن الملابس أسباب كافية للتحرش؟ الفتاة ضحية. لماذا نلوم الضحايا على الأذى؟ لماذا يتحول الجدل حول حادثة التحرش إلى الحديث عن ملابس المرأة؟ كل النساء في مصر يتعرضن للتحرش بغض النظر عن الملابس التي يرتدينها. إن مثل هذا الحديث الفرعي يُشعِر النساء كأنهن المتسببات في الحوادث. إنه نوع من إلقاء اللوم على الضحايا لكي نهرب من المسؤولية تجاه تقديم الدعم لهؤلاء الفتيات وتقديم الحماية لهنّ.

الحديث عن ملابس المرأة داخل قضية التحرش لا يساعد إلا المتحرشين الذين يبحثون عن مبررات لجرائمهم. بإمكان الناس أن تتحدث عن هذه قضية الملابس والاحتشام بعيدًا عن حوادث التحرش، ليس هناك أي مشكلة في هذا. كل شخص بالتأكيد عليه مسؤوليات تجاه نفسه وتجاه المجتمع الذي يعيش فيه. إذا كان ممنوعًا أن أخرج أنا إلى الشارع بملابسي الداخلية، فهذا معناه أن هناك حدًّا أدنى يجب أن يلتزم به الناس عندما يغادرون منازلهم. لا أقصد أن أضع للناس إشارات حمراء يلتزمون بها كما يحدث في الدول المتخلفة، لكنني أقصد الحد الأدنى من الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.

القول بأن المجتمعات العربية والإسلامية هي المجتمعات الوحيدة التي تشتهر بحوادث التحرش هو كلام باطل ونوع من جلد الذات والإحساس بالدونية. أعتقد أن هاشتاج (me_too#) في أمريكا والعالم يثبت كذب هذا الادعاء. التحرش موجود في كل المجتمعات تقريبًا. حتى المجتمعات التي بإمكان الناس أن يمارسوا الجنس فيها خارج الزواج هي الأخرى يوجد بها تحرُّش. الفارق الوحيد أن المجتمع هناك يدعم المرأة ويقف بجوارها ولا يشك في سلوكها. كما أن الفارق الأهم أن هذه المجتمعات قد قطعت الصلة تماما بين جسد المرأة والعار. يعني بإمكان النساء هناك أن يقفن في مواجهة المتحرشين دون خوف من التبعات، كما أن هذه المجتمعات تعتبر المرأة ضحية ولا تلقي باللوم على الضحية لأنها تعرف أن المتحرش إنسان يجب أن يتحكم في غرائزه.

لا يمكن حل مشكلة التحرش من خلال تشديد العقوبات على المتحرشين وفضحهم فقط، بل يجب البحث عن جذور المشكلة من الأساس. نحتاج أن نعيد النظر في مناهج التعليم، ومحتوى الأعمال الدرامية التي يشاهدها الناس. عندما نترك الشباب يعانون البطالة والفراغ ثم نطلب منهم أن يكونوا أشخاصًا طبيعيين فنحن نخدع أنفسنا. كل الناس تعلم أن الشباب غارق في اليأس، كما أن أسباب هذا اليأس لا تخفى على الجميع. إن تجفيف الحياة السياسية خطر كبير وكارثة حقيقية لن يكون التحرش والجريمة أول نتائجها.

الحقيقة أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تعيش حالة من الضياع في كل شيء، فلا هي أصبحت مجتمعات إسلامية حقيقية كما يجب أن تكون، ولا هي أصبحت مجتمعات منفتحة تشبع غرائزها بغض النظر عن حلال أو حرام، والنتيجة كما يقول عنها أدونيس: «الواقع العربي اليوم يتجه بروحه إلى الماضي، ويتجه بجسده إلى الغرب، كأنه دبابة تلتصق عليها أجنحة الملائكة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد