المستحيلات على درب هذه المدينة لا تعدّ، ودربها وإن أتعبنا طوله وأنهكتنا مواصلاته تستحق منّا أحجاره المسير. ماذا علمتك إسطنبول؟ لمَ تحبينها إلى هذا الحد؟ أتساءل أحيانًا هل بالإمكان أن نحتضن مدينة؟ أن نخبئها في أعماقنا فنقتات على حبها، إن كانت الإجابة نعم؛ فهذه المدينة حتمًا ستكون إسطنبول.

إسطنبول بين ألفها ولامها تختصر الأبجدية دهشتها، حيث مدينة الدهشة اللا منتهية، حيث رؤية المنظر ذاته ألف مرة والإحساس بالشعور ذاته والعظمة في كل مرة، حيث زهرة التوليب برونقها نفسه تُزهر كل عام فنزهر معها، حيث الصيف والشتاء والخريف والربيع يتعاقبون في اليوم ذاته فإسطنبول حمّالة أوجهٍ وحمّالة فصول!

يعتقد الناس أن إسطنبول تكمن روعتها في مضيقها وبحارها وجامع السلطان أحمد وبضع صور في تقسيم، أو تكمن في صورة التقطت لمتحف أو بناء أثري أو بائع سيميت ومن خلفه جامع الفاتح شامخ. على عظمة هذا كلّه والذي يبعث برائحة عتيقة لهذه المدينة تجعلك تشعر بأنها تعنيك بطريقة ما، وأن جذورك التي قطعت من موطنك ينبغي لها أن تمتد هنا فتزهر أزهار الأوطان بدلًا من هذا الزهر السائب الذي نما فينا.

الناس لا يدركون حقيقة أن العظمة تكمن في التفاصيل، والجمال يقبع في الأزقة وفي الأسواق وفي الأحياء الشعبية، في زحمة المواصلات وأوقات الذروة وصراع البقاء والدخول للميترو، جمالها في تلك التفاصيل التي يصعب أن تراها ما لم تكن جنديًا مناضلًا في ميادينها؛ فهي مدينة الصراع لنيل كل ما تبغي، تعلّمك أن الشهد لا يأتي دون جدّ ولعق الصبر.

إسطنبول التي علمتنا أن نضحك في كل خيبة، أن لا نرفع مظلاتنا عند كل هطول مطر مردّدين: نحن الغرباء الذين تركنا مظلاتنا على أرض الوطن، فهل تغسل الأمطار الآن ما علق فينا من حنين؟ إسطنبول التي ضمتنا فكانت مدينة تقتات الأرواح على حبها وتهش على أرق غربتنا فينجلي، بعد أن نفينا واستوطن الأغراب في أوطاننا واستوطننا الهم وكربة الغربة وضيق البعد لولا لذّة الالتقاء بمدينة لا تعرف سوى الدفء والقرب.

يصعب أن يأتي ذكرها فلا نعقّب على طباع أهلها الجلفة الصعبة التي تذكرك بأصلهم العثمانيّ، فتتعلم كيف تصبح رقمًا صعبًا متأهبًّا لأي عملية نصب أو احتيال.

إسطنبول ما عسانا نقول عنها، وكيف للأحرف أن تخبرها أن تعاقب فصولها في اليوم ذاته يشبه تعاقب المشاعر فينا، يشبه ما زرعته فينا من فصول حب متقلبة ومشاعر تخبرها أنّ حضنها دافئ ولا يليق به برد هذا الشتاء كله! إسطنبول التي صنعتنا على عينها فعجنتنا الحياة فيها عجنًا، وصقلت أنفسنا في شوارعها وتنفسنا منها الصعداء ممزوجًا بعبق تاريخها ومجدها.

مدينة كمثلها عصية على الزمن، وعلى الحزن وعلى الانكسار، هي مدينة الشموخ والعزة والمجد العثماني، مدينة التناقضات التي لا تنتهي، البعد والقرب والحزن والفرح والبرد والدفء والحب والكره ومزيج سحريّ من التناقض يذكرك ختامًا أنها إسطنبول مدينة المستحيلات والمغامرات والدهشات.

هي المدينة التي يليق أن تسألك: أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر! فتجيبها: ألست أعيش وأقتات على صلابتك؟ ألست شاهدًا على أسوار قسطنطينيتك الموغلة في القدم والصلابة والهرم؟ من عاش ذاق حلاوتها يصعب عليه أن يُقتلع منها، فحلاوتها تشبه حلاوة الأوطان، تشبه عودة الغُيّاب وضحكات الأطفال، تشبه انكشاف الهموم وانجلاء الأحزان.

لمَ نكتب عنها؟ وهل تستحق حقًا هذا؟ أقول مرارًا إن الأحرف تتشرّف بالكتابة عنها ولا توفيها حقها. يقولون من سمع ليس كمن رأى، ومن قرأ ليس كمن قطن الديار، يقولون أيضًا: «وما حب الديار شغفن قلبهم ولكن حب من سكن الديار»، أما نحن فشغفتنا الديار وأهلها وبحرها ومضيقها ونسماتها.

بوصلة القلب وجهته الخامسة إن أعياه طول الدرب، وظلمة الغربة، وأمان الخائفين وسكينة المُبعدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك