استبشرت خيرًا عندما سمعت أنه تم إنتاج أول مسلسل أردني «جن» والذي سوف يبث على منصة Netflix الأمريكية، وربما كل الأردنيون كذلك فهذا شيء جميل أن ترى وطنك وأبناءه كالنجوم في السماء، فالوطن غالي وربما أبالغ إن قلت أنه بغلاوة الابن أو أن حبه يوازي حب الأم التي لا قبلها ولا بعدها، فكلُ شيء في الوطن أجمل حتى الموت! والسماء في الوطن غير تلك السماء في غيره والأرض كذلك هي أيضًا أجمل وأبهج.

لا أخفيكم أيضًا أني فرحت لأني أعتقدت أنه سيظهر جيلًا إعلاميًا شابًا غير ذلك الذي صور الأردن وسوقه على أنه بلد «المقلوبة» و« المنسف» و«المكمورة» و«ردي شعراتك»!

الأردن ذاك البلد العريق العميق الضارب بجذوره في أشغاف القلب، بلد العلماء والشهداء، بلد الأدباء والأطباء، بلد حفظة القرآن الكريم، بلد المساجد ودور القرآن، بلد الفكر والثقافة، لا أعرف لماذا يصر البعض على تسويقه بهذا الشكل المهين والحط من قدره والتقليل من شأنه!

الأردن مصدر الكفاءات وقبلة الباحثين عن الأمن والأمان، بلد السلام والوئام، فلا يكاد يخلو بلد عربي أو أجنبي من معلم أو عالم أردني أو من طبيب أو مهندس أو ممرض. فهو بلدٌ جاذب لكل من يبحث عن العلم أو العلاج لما وصلت إليه من تطور كبير هائل في شتى المجالات والعلوم.

لقد خاب ظني وأصبحت البشرى بذاك الجيل المجدد كابوسًا مرعبًا وحلمًا مريبًا، فإذا بهم ينقلبون على كل قيم وأعراف المجتمع الأردني وتقاليده وأخلاقه ويصورونه على أنه بلد الانحراف والانحلال، بلد البذاءة والإباحية، لقد صام الأردنيون سنوات طوال وأفطروا على مسلسل «جن» الذي قلبَ أمعاءهم وآذى آذانهم ونال من سمعتهم وقيمهم، لم تتحمل أذناي ما سمعته من دقائق يسيرة من هذا السقط الأخلاقي والمسخ الإعلامي، فلقد قلبوا لنا هؤلاء ظهر المجن وأوسعونا وجعًا وألمًا.

دقائق معدودات تقلب الأمعاء وتجعلك تتقيأ كل ما في أمعائك لدناءة المحتوى ورذالة الألفاظ، جودة عالية في الإنتاج وحرفية في الأداء يقابلها انحدار حاد في الأخلاق وسقوط مدوٍ في القيم، فلا مراعاة لمشاعر الأردنيين والعرب والمسلمين ولا خجل من تعاليم الإسلام ذلك الدين العظيم الذي أتى بكل ما من شأنه أن يرفع من قيمة الفرد والمجتمع.

لقد قدمت السينما العربية والإعلام كذلك كمًا هائلًا من الأعمال الهابطة التي تروج للرذيلة والإباحية والتي تحث على الانسلاخ عن قيم المجتمع والانقلاب عليها، لكنها وللأمانة لم تتجرأ على الظهور بهذا المظهر المهترئ المهين والتلفظ بألفاظ هابطة ساقطة وتصوير مشاهد ماجنة إباحية خليعة بحجة معالجة مشكلة اجتماعية متفشية في المجتمع لا أنكرها ولا يستطيع أحد إنكارها أيضًا، لكن ما هكذا تعالج القضايا ولا هكذا يُقَوم السلوك ولا هكذا يُصلح المجتمع!

لا أعرف كيف تجرأ كاتب نص هذا العمل على كتابة تلك الألفاظ النابية وكيف طاوعه قلمه وقلبه على الإقدام على كل تلك الوضاعة! ولا أعرف كيف تجرأ فريق العمل كافة من ممثلين ومصورين…إلخ على السقوط في هذا الوحل من الانحلال والانحراف!

وما يثير غضبك ويجعلك تفقد حكمتك هو وصف شبكة Netflex للأردنيين بالمتنمرين فقط لأنهم انتصروا لأخلاقهم وقيمهم، ماذا لو تم إنتاج مسلسل أردني عن إبادة الأمريكيين للهنود الحمر (السكان الأصليين لأمريكا) وعنصريتهم ضد السود وجرائمهم البشعة التي لا تعد ولا تحصى ضد البشرية أجمع، هل ستكون ثورة الأمريكيين ضد هكذا إنتاج تنمرًا؟! ينكرون علينا حتى غضبتنا لقيمنا وأخلاقنا!

لا أخفيكم أني اتخذت قرارًا بالتوقف عن الكتابة ولو بعد حين، لما أراه من حصار الأشقاء للأشقاء ومن قتل الأبرياء ومصادرةِ حرياتهم وتكميم أفواههم والانقلاب على شرعيتهم، فالوضع المأساوي لأمتنا يجعلك تصوم عن كل شيء حتى الكتابة، لكن هذا المسلسل الهابط بكل ما فيه جعلني أخرج عن صمتي لأخبر العالم أجمع أن هذا العمل لا يمثلني ولا يمثل الأردنيين الشرفاء ولا حتى يمثل كل عربي حر وشريف.

يجب على المسؤولين محاسبة كل من ساهم بإنجاز هذا العمل بدءًا من العاملين فيه انتهاءً بمن أعطى التراخيص لإنتاج هذا العمل الهابط الذي أساء للوطن وأبنائه ونال من سمعته ومكانته، حتى لا يتجرأ كل من تسول له نفسه بتكرار تلك الجريمة المقيتة وحتى لا يصبح الانحراف ثقافة مشروعة لا حسيب عليها ولا رقيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد