حياة اليهود في العصور الوسطى

علاقة العرب باليهود علاقة معقدة وقديمة، مرت بفترات مختلفة ومتباينة، وبصرف النظر عن هذا التاريخ الطويل من الشد والجذب بين العرب واليهود، فإن العلاقة الآن علاقة عداء وصراع، في ظل احتلال اليهود لأراضٍ عربية، وأطماعهم بأراضٍ أخرى.

إن أبرز ما يخلفه المستعمر -خلال وجوده وبعد خروجه- في الدول التي يسيطر عليها هو ليس الأراضي المحتلة، أو الخراب المادي للمنشآت، بل هو أدلجة الأفراد والمؤسسات التابعة للمستعمَر، والتغيير الجذري لمنظومة تفكيرهم، فقد اختلفت أشكال الصراع من العسكري المباشر إلى الثقافي، فهذا التغيير في الأيديولوجيا لا يتم بدون معرفة متعمقة وعلمية بثقافة المستعمَر.

والثقافة -شأنها شأن أغلب المفاهيم الخاصة بالعلوم الإنسانية- لا يوجد اتّفاق على تعريف واحد لها، فقدمها غيرت هوفستيد على أنّها أنماط التّفكير، والشعور، والتصرّف التي يكتسبها ويتعلّمها مجموعة من الأفراد من بيئتهم، وتتّضح في أبسط سلوكياتهم، مثل التّحيّة، وطريقة الأكل، وعرّفها سبينسر- واتي على أنّها «مجموعة من الافتراضات الأساسية، والقيم، والتّوجهات الحياتيّة، والسّياسات، والطّرق، والتّصرفات، المشتركة بين مجموعة من الأفراد، والّتي توجّه – وليس بالضّرورة أن تحدّد- سلوك كل فرد، وتفسيراته لمعاني تصرّفات الآخرين». والثقافة هي صنيعة مجموعة من العوامل، منها؛ الدّين، واللغة، والتاريخ، وطبيعة العمل، وجغرافيا المنطقة السّكنيّة، وفي ظل الصراع القائم بين العرب واليهود، فلا بد لكل عربي فهم ثقافة اليهود ومكوناتها، وهذا المقال يستعرض كتابًا يدرس حياة اليهود في فترة تاريخية تعود للعصور الوسطى.

وقبل عرض هذا المحتوى، لا بد لنا أن نعلم أنه من المحرَّم في الشريعة اليهودية التخلص من الأوراق التي تحمل اسم الله، لذلك يدفنها اليهود، فتخزن وتجمع قبل الدفن في منطقة خاصة داخل الكُنُس اليهودية، ويُطلَق على منطقة التخزين هذه «الجنيزة».

في القرن الثامن عشر، عثر على 300 ألف وثيقة في الجنيزة الخاصة بكنيس بن عزرا، في الفسطاط في القاهرة، وبدأ الالتفات لهذه الوثائق ودراسة نصوصها بشكل أكثر جدية، نهاية القرن التاسع عشر، علمًا بأن نصوصها مكتوبة – في غالبها- بالعبرية والعربية والآرامية، وتشير لفترة حياة اليهود بين القرنين التاسع والتاسع عشر الميلاديين في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا، وهذ الوثائق موزعة اليوم في مكاتب العديد من الجامعات العالمية، وأشهرها جامعة كامبريدج.

درس الكثير من الباحثين والأكاديميين هذه الوثائق من أجل فهم حياة اليهود في تلك الفترة، وخصوصًا بين القرنين العاشر والثالث عشر، ولعل أبرزهم «شلومو دوف غواتين»، الأكاديمي والمؤرخ الألماني اليهودي، والذي اشتُهِرَ بكتابه «مجتمع البحر الأبيض المتوسط: مجتمعات اليهود في العالم كما صورتها وثائق جنيزة القاهرة»، وهو كتاب يقع في خمسة أجزاء.

كُرِسَ الجزء الأول للمواضيع الاقتصادية، فيتحدث عن عالم الأعمال والتجارة الخارجية، والطبقات العاملة، والمهن النسائية، ثم يتحدث عن التجارة والمال، والقوانين الحكومية المتعلقة بالاقتصاد، ويسهب في الحديث عن حياة البحر والانخراط في العمل فيها. وناقش الجزء الثاني المجتمع والطبقات، والسلطات الكُنسية الدينية، والسلطات المحلية المرتبطة بالأقاليم، ووصف دور العبادة، وتطرق إلى الخدمات الاجتماعية المرتبطة بالمعونات والمساعدات، وأسرد فصلًا لمناقشة التعليم وطبقاته، وفصلًا آخر لمناقشة الهوية الدينية والعلاقات بين الأديان المختلفة، وعن علاقة الحكومة بتنظيم سلطات اليهود.

أما الجزء الثالث فمخصص للحديث عن الأسرة اليهودية، بدءًا من الأسرة الممتدة، وزواج الأقارب، وطقوس الزواج، والخطبة، وتسمية الأطفال، والواجبات الاجتماعية والمالية المنوطة بالزوج والزوجة، وحقوقهم، وحقوق أسرهم، ويناقش هذا الجزء المشاكل الزوجية، والتعدد، والطلاق، والترمل، ثم يتحدث عن الأطفال وتربيتهم، ويمر على مشاكلهم الأسرية، مثل أوضاعهم بعد الطلاق، أو الأطفال الأيتام، ويناقش الفصل الأخير والمعنوَن بـ«عالم النساء» الحياةَ الاقتصادية والاجتماعية والقانونية للمرأة.

يدخل الجزء الرابع في تفاصيل الحياة اليومية لليهود، فيصف الأماكن التي يعيشون فيها، بدءًا من المدن والموانئ، والآثار والمباني، ثم يصف البيوت، ويذكر أنواعها، وتفاصيلها، وأشكالها، وزخارفها، وصيانتها وإيجارها، وفرشها، وينتهي من المكان فيصف الملبس والإكسسوارات، بشكل عام، وبشكل خاص بالأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، ثم يتحدث عن الأكل، والشرب، والمَطِيّ. الجزء الخامس مُعنوَن بـ«الفرد»، ويتحدث عن الشخصية، وعن الصفات المثالية في المجتمع، وعن الصداقة والعداوة، وعن الشخصية المتدينة، وعن مكانة الفرد المتعلم، ويذكر بعض النماذج الأدبية؛ مثل الشاعر ذائع الصيت «يهوذا هاليفي».

لا يختلف اليهود المعاصرون في طريقة تفكيرهم عن يهود العصور الوسطى، على الرغم من الاختلاف في نمط الحياة بين اليهود في الفترتين، فالقيم والمفاهيم والطقوس التي تشكل الثقافة والسلوك واحدة، والكتاب سابق الذكر هو كنز لمن يريد الإلمام بالحياة الاجتماعية لليهود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد