أو السخرية كأسلوب تربوي

طفلان متوتران

في حوار له، أجراه سنة 1968 حول روايته المزحة، ظهر ميلان كونديرا «كاتب فرنسي من أصول تشيكية، ولد في الأول من أبريل 1929، لأب وأم تشيكيَّين» جالسًا على مقعد بلاستيكي منفوخ، لا يكف عن التدحرج عليه، وهو تصرف قد يفهم على أنه «فعل مقاومة» للتوتر، الذي قد تكون فرنسيته الركيكة «نطقًا على الأقل» أحد أسبابه، رغم أنه استمر على المنوال نفسه، طيلة الحوار الذي استمر قرابة 10 دقائق، قبالته جلس المحاور على مقعد ثابت بكل ما أوتي من ثقل، آخذًا المحاورة مأخذ الجد، ذكرني شكله بشاعر مسكين، حضرت أمسية شعرية له مؤخرًا، جرت خلالها أحداث جعلتني أعيد النظر في هذا المفهوم الشفاف شعر/ شاعر حر، في قيمته الفنية بالخصوص، لقد كان مشهد الورقة التي كانت ترتجف بين يدي الشاعر، وهو يتصبب عرقًا كواعظ متأثر، غاية في التعبير، قطعًا ليس تأثرًا بمضمونها، بل دلالة على توتر الشاعر، ربما لقلة مِراسِه نصيب من ذلك، لكن الباعث الأساسي، في نظري، هو كونه أخذ القراءة مأخذ الجد، وربما الشعر كله كذلك بالنسبة له؛ فهل يؤخذ الشعر مأخذ الجد؟!

كان من الممكن وقوع كونديرا في الفخ نفسه أثناء محاورته، لكنه تجنب ذلك، فعلًا وقوة، واضعًا بيانه الهزلي الشهير، بين أعينه: «أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام؛ لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد».

بنايات بلا أسوار

الهزل ثيمة أساسية، لا تكاد تخلو منها رواية من رواياته، فهو مطرقته التي راح من خلالها يهشم المفاهيم والتصورات، ويكشف عن أسها التافه، وسعيها الخائب، قد يكون ذلك ضربًا من العبثية والعدمية، وهو ما لا ينكر كونديرا وجوده، لكن التقاء العبثية والتربية/ النمذجة، ضرب من المستحيل، إذ ما فائدة التوجيه والوعظ إذا كانت الخواتم محسومة المآل؟ بالرغم من أن كونديرا لم ينصب نفسه يومًا واعظًا ولا مرشدًا، لكن فعل الكتابة نفسه يقتضي ذلك، فأن تكون كاتبًا معناه، من بين أمور أخرى، أن تكون «نموذجيًّا»/ مربيًا «ربما هي عادة فطرية لازمت الكتابة»، بما أن التربية أو الوعظ، «مما ليس منه بد»، فإن رسالة كونديرا التربوية ، على ما يبدو، هي «التهشيم»؛ ليس على نحو موحد ومحدد، وربما للاغاية معينة؛ أي «التهشيم لأجل التهشيم»، من خلا السخرية والتبخيس، لكن السخرية أو التبخيس، تقتضي مناعة صلبة في مواجهة ردود الأفعال أو السخرية المضادة، وهذا ما لم يغب عن كونديرا، لقد كان بناؤه بلا أسوار زجاجية، ولا غيرها، تكسر وتحمي؛ لأن الجدية التي هي بمثابة عقد منظم للصراعات والاحتدام، استغنى عنها!

المناعة الذاتية

ليس على قارئ كونديرا، إلا أن يحذو حذوه في الاقتداء بما هو مكتوب، في مواقفه وتجاربه، اللاجدوى أوله، غير أن ما كتبه كونديرا، أو ما ينادي به، ليس تعويذة ولا طقسًا حصريًّا، بل هو قاعدة بسيطة، حددت بدايتها فقط «حمل المطرقة»، والتتمة بيد التلميذ، إذ يكفي التمسك بمبدأ «اللاجدوى»، هذا الطقس الذي يمنح الفرد مقدارًا لا بأس به من حرية التصرف والتماهي!

أبعد من اللاجدوى

«الجمع والطرح: يصعب على الإنسان أن يثبت لنفسه أصالة أناه، وينجح في إقناع نفسه بوحدتها الفردية، في عالمنا الذي يتزايد فيه عدد الوجوه، ويشتد الشبه بينهما يومًا بعد يوم، هناك أسلوبان لتنمية فرادة الأنا؛ الجمع والطرح، فأنيس تطرح من أناها كل ما هو خارجي ومستعار، لكي تقترب بذلك من جوهرها النقي… أما طريقة لورا فمختلفة تمامًا؛ لكي تجعل أناها تبرز… فهي تواظب على إضافة صفات جديدة، لها وتحرص على التماهي معها..»، هكذا إذن يسخر كونديرا من شخصيات عالمِه، قاصدًا بذلك، منطقًا أبعد، ولا يكتفي بالسخرية أو التبخيس، الذي يروم من خلالهما إثبات منطق اللاجدوى، بل يقترح بدائل، من خلال التفسير، والبحث في مسببات الأسباب، وعدم الاكتفاء بالوصف، فهدمه لمفهوم الشمولية، كان تمهيدًا لإرساء مفهوم الفردانية، والمقطع المقترح، نموذج من التحليلات القيمة، التي عالج من خلالها مواضيع مرتبطة برهانات الشخصية؛ كالخلود والزمن والحب والجمال، ضمتها رائعته «الخلود»، التي طرح فيها بدائل جوهرية، اكتسبت أصالتها من محايثتها لذات الفرد، وشخصه؛ فالخلود بالمنظور الشخصي هو غيره بالمنظور الغيري؛ الذي يعني العيش في ذهن الآخر، عداه، تكون ميتًا وإن كنت تحيا!

أخيرًا، نستنتج أن كونديرا من خلال طرحه لبدائل عن المفاهيم المهشمة، طرح بديلًا عن منطق اللاجدوى، مغزاه أن السعي وراء الجدوى الشمولية، كيفما تحقق هذا السعي؛ أنظمة الحكم الشمولية، الخلود بالمنظور الغيري، التظاهر بالحب، المجتمع بدل الفرد، الجمع بدل الطرح، غير محقق، وعليه فبديل اللاجدوى في نظره هو الجدوى الفردية؛ فردية التجارب، الأنماط، التصورات والمعاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد