لا يمكنك التطرق لكُتّاب أدب السجون دون أن تذكر (أيمن العتوم) على رأس القائمة، هذا الكاتبُ الأردنيُّ الذي وهب قلمه ليكتب عن تلك البُقع المظلمة حقيقةً ومجازًا، لا يدخلها نور الشمس، ولا تعلم قلوب من فيها إلا الظلام والظلم، الظلم الذي يجتاح قلب الإنسان فيجعله قطعةً من لوحٍ جامد، يجرم ولا تسهر له عينٌ، ولايتوجّع له قلبٌ، ولا يتحرك لديه ضميرٌ، ولكن الأهم من كل ذلك، ليكتب عن روح شريدة تمكث خلف القضبان كانت قد ذهبت إلى عالم اللامعنى.

رغم أن عناصر هذا اللون من الأدب تدور في نطاق معلوم، حيث يتمحور حول سجّان وسجين وظالم يعطي الأوامر بمُمارسة تلك الأفعال الشنيعة، إلّا أنّ للعتوم قدرة تجعلك تَخرج من كلّ عمل بشيءٍ يختلف عن الذي قبله، وحتمًا سيختلف عن الذي يليه.

يستطيعُ العتّوم أن يصل ببراعة إلى العَلاقات التي تُخلق داخل السجون، كيف يُمكنُ للإنسان أن يُساعد أخاه الإنسان الذي يلازمه طيلة الوقت، ويمرّ بالأوجاع ذاتها التي يمر بها هو، كيف يُتَبادلُ الصبر بين السجناء، وكيف يتقاذفونه بينهم حسب حاجة كلّ منهم، يستطيع أن يجدّد معنى الحياة، ومعنى الوجود، وكيف تتلاشى الرغبات عند نقطة ما، يستطيع أن يُسقط العاطفة على النصوص وَسَط الآهات والصرخات، فتظهر أمّ أو وطن أو طفل صغير، أو حتى نورُ ملك يتنزّل بنسمات مسكّنة تهوّن صعوبة الساعات ومرارة المواقف!

للموتِ مُنذرون حتّى في هناء نومنا.. والموت ينهشنا ولو علّقناهُ في الجدرانِ مثلَ ملابس الثكلى وراء ظهورنا.. والموت يبغتنا ولو أنّا ألفناه ونامَ على وسائد صحونا.. والموتُ يخترم الحبيب كأنّهُ ما عاش يومًا بيننا.. يا أيّها الموت الذي لم يُبقِ فينا ما نُقدّمه لأنّا لم نعد أبدًا لنا.. رِفقًا فقد ألهيتنا عن أن نكون وأنت تملأ بؤسنا بُؤسًا وتحشره بنا.. وزرعت وحشتنا ورودًا في الدروب الذاهبات إلى منافى عمرنا.. إنّا سنمضي طائعينَ إليك فافتح بالمحبّة صدرك الحاني وسهّل موتنا.. لا شيء أكثر أيّها الموتُ الرحيمُ فلا تُؤجّل فقدنا.

يفهم العتّوم أين تكمن مواضع الألم ليكتب عنها بصفة خاصّة، يحاول جاهدًا أن يميّز كل عمل عن الآخر بشكل ما، ورغم تشابه أعماله من حيث التصنيف، لم تخفت تلك الصرخة المُدمية التي يتردد صداها في كل عملٍ من أعماله، لم تجف الدموع، ولم يتبدّد السواد الذي يسكنُ أوراقه، يستطيع العتوم أن يحافظ على كلّ هذا، ويقدّمه بشكلٍ متماسكٍ متين ويجعلك تسأل نفسك مرغمًا: هل يحدث هذا حقًّا على بقعٍ من أرضنا، وداخل أوطاننا العربيّة!

هذهِ المرّة كتب العتّوم عن السجن الليبيّ (أبو سليم)، وهذا يجعلنا نفكّر لماذا لم يخرج عمل واحد قبل هذا يصوّرُ ويبيّنُ الأحداث التي وقعت داخل تلك السجون، رغم أنّها فترة مهمّة جدًّا، وتربةٌ خصبة لزراعة عمل من ذلك النوع.

(طريق جهنّم) كُتِبَت باقتراح من قارئة ليبيّة، أرسلت للعتّوم رسالة تسألهُ أن يكتب عملًا عن أبيها الذي كان أحد ضحايا أبو سليم، مرّ العتّوم سريعًا على رسالة القارئة، وأوشك أن يذهب لرؤية غيرها من الرسائل التي تأتيه على بريدهِ بشكل دوري، توقّف لحظة وأجابها ليفهم أكثر حول الموضوع، أسئلة هُنا وهُناك، هو يسأل وفاطمة تُجيب.. حتّى تيقّن أخيرًا أن القصّة ستكون مادة ممتازة لعمله الجديد.

ما مِن ساعةٍ ما مِن دقيقة ما مِن ثانية إلّا وكان لها وَقْعها على النفس، وطعمها في القلب، وأثرها في الروح، اللحظة في السجن تمرّ بأوجع من اللحظات خارجه، وأدوم، وأعمق، المشاعر في السجن تتعتّق، تتكثّف، تشعرُ بكلّ شيء وفي كلّ حين. كلّ شيء يبدو مُختلفًا، إنّها عشرون عامًا من كلّ شيء بكل ثانية فيها، إنّها لم تمرّ كما لو مرّت ظِباء في أجمة، ولا خيول في ساحة، ولا طيور في روض، لقد مرّت كأنّها سلحفاة مريضة تمشي بأبطأ مما تمشي في العادة على أرضٍ مليئة بالشوك والدمع والبُكاء والأسى، وليس لها نهاية.

(علي العكرمي) هو البطل هُنا، وأنت تقرأ الرواية على لسانه، كيف لا وهو الذي قضى في سجون النظام ثلاثين عامًا، ثلاثون عامًا طويلة لم ير فيها شمسًا ولا قمرًا ولا نجومًا ولا سماءَ!

كُتب العمل بلُغةٍ عذبةٍ طالما اعتاد عليها قّرّاء العتوم، جاء محملًا بـواحد وثمانين فصلًا، وسلّط الضوء على فترتين مهمّتين في تاريخ ليبيا المعاصر، فترة التسعينيات التي حدثت فيها جرائم أبو سليم، وفترة الثورة التي أعلنت نهاية القذّافي وبداية مرحلة جديدة.

يقفز المؤلف برشاقة بين الفترتين، تارة يُدخلك إلى السجن لتنظر المُعاناة والألم، وتارة أخرى يذهب بك إلى القذّافي وأعوانهِ وهم في مراحلهم الأخيرة، الشك و القلق و الخوف الذي يحوم حولهم ويكاد يسلب أرواحهم، هذا العرض لم يأتِ عبثًا، أنت تبصر الخطيئة والجزاء، الفعل والنتيجة، البداية والنهاية، وكأنهُ أراد أن يقول أنّ الباطل لا يلبث طويلًا حتى يظهر الحقّ ليأخذ مكانه عاجلًا أم آجلًا.

الفكرةُ العظيمة تستدعي الدّم، لكنْ لا أحد يريد أن يموت. النجاح يتطلب الجرأة، لكن لا أحد يريد أن يكون شجاعًا. يظنّ الساكتون أنهم يعيشون في أمان، لكنّهم لا يدرون أنّ سكوتهم يتساوى مع الذلّ، والذلّ لا يُمكن أن يكون أمانًا.

‏هذا العمل يُمكنه أن يلخّص حال الدولة الليبيّة في فترة القذّافي، والنتيجة التي وصلت إليها الآن، قد يُمكنك أن تنظر كما شئت من زاويتك الخاصّة، سواء كنت مؤيدًا أو معارضًا لنظامٍ أو لآخر، ولكن يجب أن تعلم أنّ هناك مفهومًا للحرّيّة كان قد فقده كثير من الناس، يجب أن تعلم أنّ للإنسان معنى كبير، هذا الكائن الذي خُلِق كي يُعمّر لا كي يُمتطى من قبل إنسان آخر، وهذا ما يُحاولُ أدب السجون توضيحه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, العتوم, ليبيا

المصادر

طريق جهنم
عرض التعليقات
تحميل المزيد