بدأ الأمر منذ سنوات قريبة مضت حيث كنت بصحبة أحد الأصدقاء في معرض الكتاب ووجدنا تجمعًا حول كاتب ما فأخذنا الفضول لمعرفة من هذا الذي يحظى بشعبية جارفة تجعل التجمع حوله كبيرًا إلى درجة صعوبة رؤية وجهه، اقتربت قليلًا من التجمهر وسألت أحد الحضور في شغف عن الشخص فقال لي اسم أحد الكُتاب الجدد الذين ظهروا مؤخرًا على الشاشة عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، تذكرت الشخص على الفور وتذكرت أني كنت قد قرأت له مرة أو مرتين فلم يستطع عقلي فهم تقييم ما يكتب على أنها كتابة أو تصنيف الشخص على أنه كاتب ويأخذ مسمى هو نفسه الذي امتلكه نجيب محفوظ ويوسف السباعي وأحمد خالد توفيق والعديد والعديد ممن يحملون اللقب ذاته.

كان الممثل الأمريكي آندي وارهول يقول «في المستقبل، كل أحد سيصبح مشهورًا لمدة 15 دقيقة» لا أود استخدام العبارة بمعناها الحرفي ولكن أود الإشارة عن مدى قدرة آندي على التنبؤ بالمستقبل حيث ستصبح فيه الشهرة سهلة والجميع سينالها، السيئ في الأمر أن الجميع سينالها في جميع الأحوال سواء كان يستحق أم لا لكنه سينالها.

بعد زيارة المعرض بيومين وعلى أحد المقاهي كنت أجلس أنا وصديق وكنت ممسكًا بهاتفي منهمكًا في قراءة شيء ما حد الانغماس فسألني صديقي في فضول عما أفعل قلت له أحاول أن أقرأ المزيد عن كتابات بعض كاتب ما ومعه بعض الكُتاب الآخرين الذين ذاع صيتهم مؤخرًا بعد غزو صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لصفحات الأدب، كنت أقرأ محاولًا تغيير فكرة اتخذتها منذ بعض الوقت عن بعض هؤلاء الكُتاب ولكن بلا جدوى، الأمر حقًا لا يتخطى مجرد كتابات فترة المراهقة البائسة أو اللعب على أوتار من تلك التي تعجب بعض القراء الجدد أو فتيات المراهقة اللائي أصبح لهن وزن.

رفعت رأسي عن الهاتف ونظرت لصديقي قائلًا رغم السخط العام على الزمن وشعور البعض بأنهم خلقوا في غير زمانهم أو أن أحوالهم كانت ستختلف لو أنهم ولدوا في زمان آخر، ورغم جملة الأحبة المتكررة في كل فراق «لو تقابلنا في زمن آخر لاختلفت أحوالنا تمامًا، لما افترقنا»، رغم كل هذا فإننا ندين للزمان بالكثير جدًا ويدين الفن له بأكثر من هذا، كان الزمان رحيمًا جدًا بنا فجلب لنا قصص حب أدبية عظيمة كرضوى عاشور ومريد البرغوثي، أو غسان كنفاني وغادة السمان، أو مي زيادة وكل من أحبوها من عظماء عصرها فراسلوها من كل بلاد الأرض، قلت لصديقي الزمن كان رحيمًا جدًا بنا في الأدب فجلب لنا تلك القصة قبل قصص كثيرة أخذ أصحابها في العصر الحديث صيتًا لا يستحقونه ومكاسب لا تستحقها القصة، كان الزمن رحيمًا بنا فأرسل تلك القصص قبل على الأقل على سبيل المثال «وليد ديدا ومريم صقر» (ليس تقليلًا من شأنهم أو قصتهم حاشا لله ولكن لعظمة القصص المقارنة بهم) كان الزمن رحيمًا بنا حتى في العصر الحديث نفسه فأرسل لنا «مصطفى إبراهيم» و«أحمد الطحان» والعديد من الشعراء الجدد قبل أن يرسل لنا العديد من أبناء الجيل ذاته الذين اهتموا بالمكسب قبل الشعر والمعجبات قبل الأدب وتحول الشعر من وسيلة للتعبير لوسيلة للتجارة وكسب المزيد من المال والمعجبات.

للزمن فضل عظيم علينا في الأدب لا ينكره إلا جاهل ولا يجهله إلا أعمى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشهرة, شهرة
عرض التعليقات
تحميل المزيد