تراه يتخبط في مشيه، يتلعثم في كلماته، رث الثياب، في ملامحه ذل السنين، من عينيه لا تلمح أي شرر يشي بمستقبل أفضل له.

إلى هنا ومع قلة صبرك وتبصرك، تعتقد أنني أصف محتاجًا أو متسولًا، لا بأس لأني الملام على عدم ذكر لحيته الضخمة، وهي أكبر من وجهه. نعم إنه الدرويش (وبالتأكيد فليس كل ملتح درويشًا، لكن كل درويش هو بالضرورة ملتحيًا)، الذي يعتقد أن هذا هو التصوف في الدنيا، وينسى أن الدين هو أن تبتعد عن الحرام وليس الابتعاد عن الحياة؛ هو إخراج الدنيا من قلبك وليس إخراج نفسك من الدنيا؛ هو أنك عندما تمتلك مليون دولار ترى أن نسبة 2.5% للزكاة قليلة لتهب أكثر على حسب زهدك – ودروشتك –  ويتحمل وجود مثل هؤلاء في تاريخنا وحاضرنا (وإن كان بدرجة أقل، وذلك في إيجابية صغيرة للعولمة والموجة المادية العالمية على غير العادة) مفسرو السيرة عبر العصور، لعدم فهمهم الكامل لنواحي حياة الرسول والصحابة بنظرة شاملة.

فتأتي أقوال مثل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يضع الحجر عل بطنه من شدة الجوع، وحديث بن عباس عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: «اطلعت على الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت على النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء». لكن يتناسى أيضًا ما روي عن أبي هريرة، رضي الله عنه: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يقول: «اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنَ الفَقرِ والقِلةِ والذلةِ…». وهو من كان يقول أيضًا: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير…». والحقيقة أنه لم يكن إلا الخطاب الديني، هو المتحجر الوحيد الموجود.

أما عن الصوفية الحقة، فهي سليمة العقيدة، بعيدة عن القصص الخرافية لأولياء الله الصالحين – كما يسمون – والمصيبة هي أن الصورة الذهنية للرجل الصالح في ذهن المسلم، هي في الغالب ليست صالحة. فالتصوف نعم فيه شيء من الخلوة، والابتعاد عن الدنيا، والذي يحقق بهذه الأخيرة، معانٍ سامية وجميلة، بروحانياتها على مستوى فكر ونفسية الشخص. لكن بالرغم من ذلك فلن تتردد في الدفاع عن الأوطان، مثلًا، ولن تنغلق على ذاتها عندما يستقوي الظلم، لتعلي عليه كلمة الحق، كما فعلت الحركة السنوسية في ليبيا ضد المستدمر الإيطالي. فمثل عمر المختار المجاهد المعروف، المنتسب إلى تلك المدرسة، والذي يشهد له العدو قبل الحليف، بسمو أخلاقه وروحانيته العالية وتعبده، لم يجعله ذلك يحصىر تفاعله مع محيطه في طول السجادة التي يصلي عليها؛ بل كانت أرض الله، ووطنه هي سجادته الفعلية. وهو على تصوفه وزهده القائل: «لئن كَسَرَ المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي». ثم استشهد بعد ان أعدم على حبل المشنقة؛ بعد نضال طويل ومقاومة مستميتة لما آمن به أنه الحق. وأعظم العبادات هي الجهاد، وأعظم الجهاد: رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله.

فالإسلام لم يأت ليجعل الناس عالة على البشرية، برفضه الاكتساب والتملك رفض أصالة؛ وإنما رفض لفكرة الانفراد وحب الشيء، الذي سيصبح في مرحلة ما لاحقة هو من يمتلكك. فالتكسب لا يتعارض أبدًا مع الدين، بل هو وسيلة لتمكين البشر لما وجدوا لأجله، بتحقيق غاية خلقهم الوحيدة، وهي الاستخلاف في الأرض. قال الله تعالى «إني جاعل في الأرض خليفة». وذلك بأن تعمر الأرض، وتستغل كنوزها وأسرارها، لتسهيل حياة البشر وباقي الخلق عليها، بما يحقق الحياة الطيبة في الدنيا قبل الآخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد