السطور المقبلة لا تعبر عن آرائي في الحب بقدر ما تقتبس من كُتب عَكفت على قراءتها خلال الشهور الأخيرة في محاولة لإزالة التباس أفكاري عن مفهوم الحب. وما أقصده بالحب هنا أبعد ما يكون عما يتم اختزاله في  بوست نحدثه على “صفحة فيسبوك” بحالتنا العاطفية منit is complicated  إلى engaged إلى سنجل وأفتخر أو check in بخروجه مع أصدقاء مقربين، مليء بالقلوب والسمايلي فيس J.

فالحب علاقة تشتبك مع أطراف عديدة، تبدأ بذاتك، وعائلتك، وتصل لأصدقائك، وقد لا تنتهي عند الشخص الذي قد يدفعك إلى اكتشاف الحب، بعد أن حملك على كراهية ذاتك.

هل استيقظت يوما لتجد حالًا من الهياج الإلكتروني على فيسبوك بسبب نظرة جورج كلوني لأمل علم الدين، أو إهداء محمد محسن أغنية لهبة مجدي على خشبة المسرح بمناسبة خطبتهما؟ فتجد معارفك على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم الاجتماعية ينشر ويعلق على حالة “الكيوتنس” في تلك العلاقات العاطفية. الحالة التي لا تقتصر على المشاهير، لتشملنا جميعا، فمتى ارتبطت أنثى مصرية بذكر مصري تحولت حساباتهما على الشبكات الاجتماعية إلى حلقات من برنامج “تلفزيون الواقع” قصة حب ميرفت وعلاء، تبلغ ذروة أحداثها مع طقوس “الفلانتين”.

مع كل مرة يرفرف فيها “كيوبيد” على حسابات المعارف على فيسبوك، تبادرني أسئلة من نوعية: هل هذا يعبر عن تقدير ووعي حقيقي بالحب في حياتنا، أم عن حالة تصحر عاطفي يعيشها المتزوجون قبل “السناجل”. هل أتعرف على الحب من الفراشات المحلقة في معدتي، عندما تسر عيني برؤية من أحب؟ هل أقع في الحب رغما عني أم أختاره بكامل إرادتي؟

في الحقيقة، أنا جاهلة في الحب، جهل يبدأ من علاقتي بذاتي، ويشمل علاقتي بالآخرين. فأنا أتعلم عن الحب بقدر ما أراه، وأتلقاه. لذا فرؤيتي المشوشة هي نتاج طبيعي لنشأتي في مجتمع يغض الطرف عن رجل يهين زوجته على قارعة الطريق، ويجزع إذا ما احتضن حبيب حبيبته على الملأ. نفس المجتمع الذي رسم أدوار العلاقات العاطفية بين الجنسين على أساس “الفريسة” أنثى و”الصياد” ذكر، يعلم صغاره بأن الحب لا يبني بيت زوجية بقدر ما تضبط زواياه الحسابات الرقمية من شبكة وقائمة ومؤخر.

اقتباس

“الحب لا يتقن المحاسبة.. ولا يعد ما قام به من أعمال.. بل إنه يتابع العمل كل يوم.. وهو يبتسم”.

 

جان باول اليسوعي

وفي محاولة لفك الاشتباك، أهداني صديق كتبًا لمؤلف بارز في الكتابات المسيحية، الأب جان باول اليسوعي، ليس بدافع التبشير بمذهبه الديني، بقدر ما غرضه الانفتاح على مذهبه الفريد في الحب؛ فآراؤه تعبر عن دراسة عميقة لعلوم النفس البشرية، ممزوجة بتجربة روحية، دينها الإنسانية.

فالحب موضوع ممتد في كتبه، لا يكل من أن يتناول ماهيته بعيدا عن كل الأساطير المتعلقة بالانجذاب الجسدي، أو العاطفة وليدة تلبية احتياج ما. ولكن قبل أن أتطرق إلى قائمتين أعدهم اليسوعي عن ما يعمله ولا يعمله الحب، سأشير إلى صلب جوهر مذهبه في  الحب، ألا وهو “الالتزام”. “فالحب الحقيقي هو قرار والتزام. قبل أن أتمكن من حب شخص آخر عليّ أن أجزم في قرارة نفسي أن ألتزم بما هو الأفضل للشخص الذي أحب. قد يفرض الحب علي أن أكون قاسيًا أو لطيفًا.. أن أجابه الشخص الذي أحب أو أواسيه. ولكن في كل حال علي أن أقول نعم للحب. علي أن أتخذ القرار وألتزم به”.

ولأن “الحب في الحقيقة فن وليس علما. لذا قد لا نجد لأسئتلنا دائما أجوبة واضحة. والحب في كل الأحوال لا يعدنا بطريق فُرشت بالورود”. قد تعتمر أنفسنا بصراع حول ماهيته ومظاهره؛ فهل يمكن أن نؤذي الطرف الآخر، باسم الحب؟ أو نتحمل عنفًا نفسيًا وجسديًا ممن يرددون حُبنا على ألسنتهم؟ وهنا تأتي أهمية القائمة التي أعدها اليسوعي للوقوف على السلوكيات التي يعملها الحب، والتي لا تعني على الإطلاق مسايرة أهواء أحبائنا، بل قبولهم بروح عطوفة، وتشجيعهم، وتحديهم إذا ما سلكوا مسلكًا خاطئًا.

 

ما يَعمله الحب؟

الحب يقبلك كما أنت

يشجع ما هو حسن فيك وفريد

يهتم بكَ ويقلق عليك

يدفع بك لتعطي الأفضل

يواكبك في عمق مشاعرك

يشجعك على الثقة بنفسك

الحب حليمٌ في تعامله معك

يحترم السر الذي ائتمنته عليه

إنه مترفق ويدافع دائمًا عنك في الحق

يضحك دائمًا ولا يضحك أبدًا عليك

يبحث عن ما هو حسن فيك وجميل ويجده

الحب يجعلك تفرح بما أنت عليه

يغض الطرف عن صغائرك وضعفك

ويصّلي ليلبي الله حاجتك وينمّيك

يجد الحب فيك فضائل لم يكتشفها أحدٌ سواه

يشركك في أعماق ذاته

يقف إلى جانبك عندما تكون بك حاجة إلى من يدافع عنك

إنه رفيق حتى في مجابهته لك

يتحمل مسؤولية سلوكه

ويقول لك الحق في كل حين وبصدق

يهتم بك وبما فيك من حاجات

هو يقسو عليك ويلين بحسب الواقع الذي تعيش

يقــّدرك قويًا ويقبلك في ضعفك وهو يتفهمك في “أيامك  الصعبة”

الحب يبقى دائمًا بجانبك ولا يهملك ولا يتخلى عنك

 

اقتباس

“المحبة لا تسقط أبدا. وأما النبوُات فستبطل والألسنة سينتهي أمرها والمعرفة تبطُل”.

من رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثس

 

ولأن بالأضداد تعرف الأشياء، أعد قائمة أخرى بما لا يعمله الحب. جاءت القائمة كصفعة على وجهي، لتوضح لي أن الكثير من أفعالي الأنانية والاستعلائية تجاه المقربين مني، اتخذت من الحب ستارًا، وبالمثل عُمِلت ممن ادعوا حرصهم وخوفهم على مصلحتي، وحبهم لي. وفي المقابل أدركت أن قراري بالابتعاد عن من استئنست روحي بوجودهم، لإيقاف أذى واقع على نفسي، لم يكن من ضرب الأنانية، لأن “الحب يحرم علي أن أصبح “ممسحة للآخرين” أو مطية لتحقيقة نزواتهم”، كما قال اليسوعي، “بل قد يطلب الحب أحيانا أن أعاكسك أو أتركك وشأنك”.

ولأن الحب على اختلاف مستوياته وأشكاله، يظل تجربة تحتفظ بفرادتها مع كل مرة تتلاقى فيها روحان. فالقائمة ليست حصرية بقدر ما تحث كل منا أن يعد قائمته الخاصة عن أشكال الأذى التي تتلون باسم الحب، وجميعها تنطلق من الحب المشروط، والمرهون بتحقيق الصورة التي يريدها “الطرف الآخر” عن نفسي، وقد تصل إلى كل أشكال العلاقات المريضة من استغلال عاطفي ومادي وسادية، وغيرها. وهو ما أجمله اليسوعي بأن “الحب يمكن أن يكون أشياء كثيرة، ولكن الحب لا يقوم أبدا على مسايرة أولئك الذين يبحثون عن الشخص الذي لا يعاكسهم فيما يطلبون”.

 

ما لا يَعمله الحب

الحب لا يستعملك ولا يحتقرك

لا يطلب منك أن تعيش على غير ما تبغي

لا يلومك ولا يحقد عليك

لا يغضب ولا يحاول فرض إرادته بالصياح أو الدموع

إنه لا يقطع الحوار معك

لا يرهقك بنصائح لم تطلبها

ولا يحكم عليك أو ينصب ذاته طبيبًا نفسيًا لكَ

لا يكون قبوله لك بمثابة انعدام من لدنه

ولا يتطّلب منك يومًا بعد يوم أن تبرهن عن صدقك ومحبتك

لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يكون دائمًا على حق

ولا يحرد أو يمتنع عن مواجهتك

لا يعاقبك بحقد إذا ما أخطأت

لا يدون كل ما أسأت به إليه

لا يحاول لفت انتباه الآخرين إليه

ولا يبين لك كبره ليجعلك تعي الصغائر التي فيك

لا يضعف ثقتك بنفسك

ولا يستعملك من أجل نزواته الشخصية، ثم يميل عنك ويمضي

لا يصب عليك غضبه وكأنك “مستوعب مهملات”

ولا يتخلى عنك لأنك ما لبيت مطالبه

ولا يهملك لأنك الأهم بالنسبه له

 

اقتباس

“إن الكثير من الغضب الذي نلقاه في الدنيا هو من نتائج هذا النوع من الحب المشروط”.

جان باول اليسوعي

 

لا يحب سوى الأحرار

يتطلب الوصول إلى درجة الالتزام، التي تحدث عنها اليسوعي، كأساس لأي علاقة حب؛ أن تكون حرًّا. فالإنسان الحر وحده هو الذي يقرر بإرادته أن “يبدل الكثير من عاداته ومن القيم التي توجه سلوكه” لكي يبذل من نفسه من أجل غيره. فالحب يبدأ “عندما تسأل نفسك ماذا يمكن أن أقدم للآخر”، وينتهي عندما تواجه من تحب بـ”ماذا فعلت لأجلي؟”.

ولأنه ليس من اليسير أن نترك ما ألفينا عليه آباءنا في مذهب الحب المشروط، وجب علينا تذكير أنفسنا بأن الحياة لا تستقيم دون تحرر ذواتنا من أسر الدخول في علاقات منتهية الصلاحية.

“الحب يجعل منك إنسانا حرا ويضيف إلى حياتك أبعادًا جديدة، مريحة. إنه يكسر الطوق الذي ضربته الأنانية من حولك لتتحرر وتعيش في طمأنينة وسلام. إنه سر البقاء في السعادة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب: السعادة تنبع من الداخل
كتاب: لماذ أخشى أن أحب؟
عرض التعليقات
تحميل المزيد