عن الحب والتعلّق وأشياء أخرى

أتحدث عن تلك المرحلة العمرية التي تأتي في مرحلة ما من عمر كل شاب، ينتقل من مرحلة ما يعرف بـ«المراهقة» إلى مرحلة البلوغ النفسي والذهني، إذ تشعر بتلك المرحلة التي تبدأ فيها «ذاتك» برفض ما كُنت عليه في الماضي، وإدراك بعض المفاهيم الجديدة في الحياة التي لم يكن لديك بها خبرة كافية، أو بمعنى أدق لم تفهمها بشكل سليم من قبل، وتتضح لك بعض الحقائق وتتبلور الأفكار لترى «ذاتك» الجديدة وهي تواجه خليطًا من الاضطرابات المتعلقة بما كنت عليه وما أصبحت عليه الآن، وفي الحب تتجلى هذه المعاناة النفسية التي أتحدث عنها.

لا أنسى فكرتي القديمة عن الحب في أحد أيام المراهقة، وكيف كانت تلك الفكرة محصورة في أن الحب هو مجرد توجه للتعرف على شيء جديد واستكشاف الجنّس الآخر، الذي لم أكن أحبه أبدًا وقتها، ولم أجد ما فيه مميزًا ليجعل شخصًا ما يتحدث عن مدى جمال الحب مثلما نرى في الأفلام، ثم أتت مرحلة ما يمكن أن نسميها «الانجراف» إذ فقدت السيطرة على تلك المبادئ الراسخة بالنسبة لي عن الحب ومدى تفاهته! تعرضت لتجربة أولى وقتها لا يمكن تسميتها بأكثر من التجربة الطفولية، أحببت فيها إنسانة لمجرد أنني شعرت أني بحاجة إلى الحب ولم أحب من قبل، وقتها بدت لي التجربة في البداية ناجحة، ولكن بالطبع لتفاهة تلك التجربة ومدى سطحيتها لم تستمر كثيرًا، وبطبيعة الحال لم أندم عليها كثيرًا؛ لأنها كانت تجربة لا بد منها، ولا مفر.
تحولت فكرة الحب وقتها إلى شعور بشع، ولا أريد أن أجربه مرة أخرى، كان ذلك طبيعيًا، لم أكن أبلغ الثامنة عشر من عمري وقتها، لكن كل تلك المشاعر المتضاربة كانت ضرورية حتى أبدأ في تكوين الفكرة الصحيحة عن الحب.

الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فإنه يقتحم قلبه دون استئذان، وهذه هي مصيبتنا.

– شكسبير

الفكرة الصحيحة لي عن الحب بدأت تظهر عندما لم أعد أفكر به، هكذا هو الحب عمومًا، يأتيك بطريقة لا تعرفها ولا تتوقعها ومن المستحيل أن تدركها، عرفت ذلك بعد أن تعرفت إلى فتاة جمعتني بها ظروف ما، لم أكن أفكر في شيء حقيقة عندما تحدثت معها أول مرة، ثم أتت الثانية والثالثة، بمرور الوقت بدأت أشعر بنوع من السعادة في كل مرة نبدأ فيها تبادل أطراف ذلك الحديث، أعتقد أني في غفلة عن نفسي كنت أقلق عندما تغيب تلك الفتاة عني لبضع ساعات، وأشعر بشيء ما ينقصني، ولم أكن أدرك مدى التطور الغريب في التعلّق بها الذي يحدث كل يوم تقريبًا، هذا هو الحب لا تخطط له ولا تفكر فيه، بل تنام لتجد نفسك مصابًا به.
أكثر ما شغل بالي في الحب في بدايته هو سؤالي لنفسي: هل مشاعري حقيقية؟ هل هي تكرار لتجربة طفولية أخرى؟ هل من الممكن أن تبادلني تلك الفتاة ما أشعر به؟
حقيقة لم أكن أعرف إجابات صريحة وواضحة عن تلك الأسئلة التي دارت في ذهني وقتها، لكني شعرت بأن الأيام وحدها كفيلة بالإجابة عن تلك الأسئلة، وحقيقة لم تكذبني الأيام في إجابتها فتطور تلك المشاعر أخذ منحنيات خطيرة من بعدها، في البداية تحول إلى شعور كبير بالمسئولية تجاه تلك الفتاة، بل كنت ألوم نفسي أحيانًا إذا قصرت في السؤال عنها في يوم لم أكن متاحًا فيه بالقدر الكافي، بداية الشعور بالمسئولية في تلك المشاعر أعطتني انطباعًا جيدًا، وأن هذه المرة مختلفة، وأني قد بدأت أدرك ما الحب.
بمرور الوقت أكثر وأكثر تتضاعف فوق الشعور بالمسئولية مشاعر أخرى، بعضها إيجابية وبعضها سلبية، ربما كان أكثر شيء إيجابي هو الشعور بالأمان حينما تتجه بالحديث إلى الشخص الذي تحبه في أضيق أوقاتك وأصعبها، الشعور الشديد بالفرحة عندما تراه لأول مرة بعد غياب طويل، لكن هناك سلبيات أيضًا من جانبي يجب أن أعترف بها، فأشعر أحيانًا أني أصبحت أنانيًا بعض الشيء تجاه من أحبها، أحيانًا أنسى أن الحب في النهاية هو علاقة بين طرفين، والطرف الآخر هو إنسان أيضًا ولديه وقته، وعائلته، وحتى حالته النفسية قد تتغير من وقت لآخر، وأن الصورة التي نريدها لعلاقتنا ليس من الضرورة أن تكون دائمة طوال الوقت، هناك منحنيات دائمًا في العلاقات، لا يجب علينا أن ننجرف وراء تعلقنا بمن نحب ليحولنا إلى أشخاص أنانيين، نريدهم في كل وقت، وبالطريقة التي نريدها!
يمكننا تلخيص الحب بأنه أنقى المشاعر التي عرفتها البشرية، والحب لا يمكن أن يضاهيه شعور في الدنيا، لكن يجب أن نحترس في علاقاتنا بمن نحب أن لا نؤذيهم بدون أن نشعر، بتعلقنا الشديد بهم وحبنا الدائم لامتلاكهم، فالحب يجب أن يكون مبنيًا على تقدير الآخر واحترامه، ومراعاة ما قد يمر به من ترددات نفسية، وأوقات صعبة. إذا لم تحب في الأوقات الصعبة فلا يحق لك الحب أبدًا، قف بجانب من تحبه ولا تخذله في أي لحظة، وفي لحظات الغضب اعلم أنك إنسان مثله، وأن جميعنا نرتكب الأخطاء، لكن من يحبون هم من يستطيعون التسامح دائمًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد