لربما أدركنا مدى وجودنا في هذه الحياة، وحاجة كل فرد منا لأشياء تجعله قويًّا، للتعايش ومعايشة حياته التي ترتكز على هذه الأمور، التي لا يمكن تركها على رف الإهمال والنظر إلى كونها أمرًا لا فائدة منه، بل يتحتم علينا التشبث بها مهما كان مصير ممارستها في حياتنا.

ولو سرنا في قطار هذه الأشياء التي أسميها «الفرائض» التي تقفز من خارج سرب المسلمات، لوجدنا أننا نجد أمامنا فريضة لا يمكن الاستغناء عنها في جل أمورنا، فنحتاج إليها في معاملتنا مع عائلتنا وعملنا وبكل تفاصيل عمرنا، نعم فريضة الحب التي وجدت فينا بشعور لا يُفسر، ولا يوجد له تركيب عندما نعيش داخله، ولو اختلفت كل زواياه وأشكاله ومسمياته، التي يتغنى بها الصغير قبل الكبير، ومن الأديب إلى الشاعر انتقالًا نحو الروائي، بلسان عربي أو أعجمي.

فالحب حاجة روحية تتفنن الأنفس في استلهامها وتلقيها لتدمج الشعور والإحساس بنبضة قلب تئن تضورًا، لكي تتلذذ قيمة الانغماس في تلك القوقعة الصغيرة، التي تنعم بنعمة لربما يجهل البعض ممارستها بشكل يدمج الروحين بروح واحدة تحت ظل يضفي عليهم البرود الدافئ.

الحقيقة أن البعض منا أصبح يرى أن الحب عيبًا، وكاد أن يصبح الشيء جريمة في عقليتهم الضيقة، التي تحتاج منا إلى أن نغرس في نفوسهم أن هذا الحب مبني على قاعدة تتلخص في الصدق والوفاء إلى جانب الثقة مرورًا، بالإخلاص وبالإشارة إلى طقوس كثيرة تجمع اثنين لم يجتمعا إلا على طاولة أولى أولوياتها التضحية فداءً للذي بينهما.

ألم يعلموا أن الذي يفكرون فيه بأن علاقة الحب بين شخصين كلها قصة كاذبة يخلقها أحد الطرفين؛ لكي يتسلى بالطرف الآخر، فبمخيلتهم أن الحب مثل الدمية يتلاعب بها مجرم الحب كيفما شاء، ثم يتلفها بملذاته التي كان يخطط لها، فيبدأ باختيار الطعم المناسب ثم ينقض على الفريسة، فيؤلم قلبها ويزجها في خانة المهترئين المشوهين كليًّا من داخلهم، هنا نتعارض ونقول لكم إن حديثكم كم هو مؤلم! ولقد سمعنا مثلكم قصصًا توحي بذلك، لكن ألم يسرد إليكم حديث الثقة، وأدب العشق، وفنون الجنون في غمرته؟ ثم هل قرأتم عن روميو وجولييت، أو قصة كليوباترا ومارك أنتوني، أو ربما سمعتم بحكاية قيس وليلى؟

فما العيب أن يتصافح قلبان بتجويف يد الحب مُلقين على بعضهما ابتسامة مفادها أن الحياة فتحت لهما أبوابها على مصراعيها، نعم العيب فينا أننا نصغر أمر الحب الذي بنظر الذي يعيشون تفاصيله لا يعادل حجم أيّ شيء أمام ما يتخيلونه أمامهم أولئك الذي يشككون فيه، فنظرتكم السيئة لا تجعلوها تسبب فراغًا يجعل اللعنة لا تفارقكم، لأنكم فرقتم نسيجًا كان مستقبله أن يُحاك ويتماسك بشكل قويّ، لا تقدرون فعلًا أن تمتد يدكم نحوه.

عليكم أن تقتنعوا بأن فكرة الحب ليست مشيّطنة، ولا تأتي من قبل ساحر لتسبب ضررًا داخل أرواحكم التي طالما لم تقتنع بالفكرة التي تعيش بداخلكم، عندما ترون قصة حب ناجحة وانتهت بالزواج، عليكم أن تفهموا أن الحب يحيي فينا الأمل، ويجعل ألسنتنا تنطق بكلمات لم تستطع المعاجم تفسيرها أو فك شيفرة ما صدر منهم، عليكم أن تعلموا أن ثوب الحب شيء جميل، إن لم يتسخ بثوب الكذب، وجراثيم الخيانة، وفيروسات التلاعب بالنفس التي كانت تحلم بروح تلائم روحها.

لقد ظلمتم الحب حقًّا وجعلتموه عيبًا، وقد نسيتم أن الله خلق سيدنا آدم، ومن بعده سيدتنا حواء، فألفَّ بين قلبيهما بالحب، فكانت أول قصة حُبّ في الكون، ثم جمعت الخليقة كلها عليه، فكان المفتاح الحقيقي للسلام، والبداية الأولى للإنسان، والترياق الذي يشعر كل منا بالاطمئنان، ويفكك كل نزاعات الأفئدة، ويضع فينا السعادة اللامتناهية التي تأتي عندما نمارس طقوس الحب، ونجعلها عادة في روتين حياتنا، التي ينقصها أن تغرق قلوبنا به.

نهاية مفصلية تكمن في أن الحب ليس جرمًا يتضمن عقوبات في منظمة الأمم المتحدة، ويحق لكل شخص أن يمارسه مع عائلته، أو مع صديقه وصديقته، أو مع الفتاة التي يرى فيها شريكًا مستقبليًّا في حياته، فالحب نعمة من عند الله، وضعها فينا لكي نتبادلها عندما نشعر بأن الذي أمامنا يستحق هذا وأكثر، وأن يصل لمرتبة «الهُيام»، وهي أعلى مراتب الحب، لكن علينا ألا نشوّه الحب بما لا يرضي الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

تعايش مع الأمر
منذ 3 أسابيع
علاقات
استيقاظ أبي جهل
منذ 4 أسابيع
الربيع العربي