عن الزواج والحب والمجتمع

تعلمت أنه إذا حيرتك الأسئلة، وأجهدك البحث بين متاهات تلك التساؤلات الصعبة، فما عليك إلا أن تُعيد طرح السؤال بالضد.

لماذا أتزوج؟!

لن أستعير هنا ما يُردده الناس من إجابات تُقال دائمًا، وهي في حقيقتها وجه خارجي للزواج، الذي ينبغي أن يكون لهم! لأن الواقع الذي يُفرض عليهم، أو ربما اختاروه بمحض إرادتهم ووعيهم، له قدر وواقع آخر، بمرور تلك الأيام وتطورها وتقلباتها.

كل إنسان منا في هذه الحياة يبحث عن ضالته، وآماله المفقودة في أشياء كثيرة، ولعل الحب أحد أهم تلك الأشياء.

فالسؤال هنا كيف يكون الحب؟!

لست أقصد معنى الحب، إنما كيف يكون؟! وكيف له أن يحدث؟!

في رواية «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية إليف شافاق، تقول القاعدة:

«إن مهمتك ليست البحث عن الحب! بل البحث بداخلك عن تلك الجدران، والحواجز التي تُبقيه بعيدًا عن روحك».

تلك الحواجز هي الأحلام والأفكار، والقناعات والآلام الداخلية التي بنيناها، أو بُنيت بداخلنا منذ الصغر، من خلال ما تعلمناه أو نهواه، أو تربينا عليه، أو ما مُنع عنا فتمنيناه في عالم مواز داخلنا.

كل منا أراد أن يحيا بالحب، بما يحمله من معان وآمال لتلك الحياة البعيدة، التي رسمناها بعقولنا «الحالمة»، التي اختارت منذ البداية أن تنفصل عن الواقع المُعتاد لواقع آخر أفضل، أو ربما تنفصل عنه قليلًا.

تلك الرسمة وذاك الانفصال، لم يكن رغبةً في إيجاد الحب فقط، بل في أمور كثيرة يعيشها كل منا، ويتمناها لحريته واستقلاليته، ومستوى الحياة التي يتمنى أن يحيا داخلها، ويُحقق آماله وذاته ونجاحاته فيها ومن خلالها. وهذه الحياة لا يُمكن أن تنشأ بفرد واحد، مهما كان قويًّا، أو ناجحًا، أو مُتميزًا.

تقول الإعلامية منى الشاذلي:

«ما يعتقده البعض أنه مستحيل ويحتاج إلى معجزة، يراه آخرون يحتاج فقط إلى بعض التحدي! فالقوة ليست بالضرورة في (المال أو الشهرة)، إنما يكفي أن تكون مع وبداخل إنسان اشتبك مع الحياة دون ترددٍ أو خوف، وأصر على تحقيق هدفه».

يسير كل منا في حياته من أجل هذا، لكننا نشتبك مع الواقع بثقافته وتقاليده، ومع الناس أيضًا بالتطلع إلى ما يرغبون فيه، أو ما يجعلنا في عيونهم صالحين، وربما وجب علي أن أقول إننا نشتبك «مع القدر» أيضًا، بأشيائه المفروضة دون معرفةٍ واعية لأسبابها وحكمتها بعد.

اشتباكٌ مستمر عبر سنين العمر، أفرز عن تجارب قاسية، وخذلان، ويأس، وآمال ما زالت في نفوسنا تترقب المستقبل بتخوف واضح ومحسوس في كثير من اللحظات التي يعيشها كل منا وسط قيود المجتمع وأيامه ومزاياه، التي صنفت الوصول لأحلامنا ومُبتغانا بناء على ما نمتلك من مزايا أيضًا، ليُغدق علينا شيئًا من أحلامنا!

مزايا الغنى والجمال، وصغر السن، وصيت العائلات، والشهادة الجامعية، والوظيفة المرموقة، والمستوى الاجتماعي العالي، والوجاهة الاجتماعية وغيرها، فتلك المزايا في واقع المجتمع الحالي بني عليها أساس التكافؤ لاختيار الزواج المتميز الذي يمنح لك شريك حياة يهب لك الاستقرار، والحب، والتطور، وهذه خديعة كبرى، بدليل انتشار حالات الطلاق والانفصال المبطن، وانتشار الخيانات الزوجية، فالزواج أصبح مطمعًا للحصول على أشياء متميزة، وليس لبناء حياة، حتى مفهوم بناء الحياة ذاته، وسط ما يعتقده المجتمع، لم يعد صالحًا أصلا لبناء تلك الحياة واستدامتها بمبادئها وقيمها.

لم يعد صالحًا إلا لقاعدة أن المال هو أساس الحصول على الأشياء، بما فيها الزواج السعيد؛ لأنه أصبح قادرًا على صناعة لحظاته، وليس لما يمتلكه الأفراد، أو المُحبون، من قدرات ومعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s