المصريون صحتهم تُباع و تُشترى على طاولة الرأسمالية المصرية، معذرة، الفقراء صحتهم تُباع و تُشترى على طاولة الرأسمالية، للدقة. فمنذ أن اقتحم الكمبرادور حياتنا في أواسط السبعينيات، منذ أن وقع السادات على خطابات النوايا مع المؤسسات الدولية، منذ أن استولت البيروقراطية والطفيلية على حكم مصر واستسلمت للعدو الصهيوني وفتحت مصر لكل ما هو يميني، أصبح الفقراء فريسة، وليمة ينهشها كل السماسرة والنهابين.

إذا أردت أن تشاهد مدى وقاحة الرأسمالية، تجشم عناء الجلوس لبعض الوقت في إحدى الصيدليات، فإذا كان القطاع الطبي قد تقيح، فإن قطاع الأدوية أصبح بؤرة سرطانية تعتصر المواطن. الصيدلي والطبيب أصبحا جزارين، استلا – في ظل الغياب المتعمد لدولة البرجوازية على أيدي برجوازيي الدولة – سكاكينهما، وشرعا – الصيدلي والطبيب – في “تشفية ” لحم المواطن بدلا من أن يعملا على شفائه .

في الصيدلية تتراكم مئات الأصناف من الأدوية، كل مادة فعالة تعبئها عدة شركات، وتصنعها شركات عديدة أيضا. و قبل أن يصل الدواء من المنتج إلى المستهلك المريض، فإنه يمر بعدة وسطاء، جميعهم يحققون أرباحهم من اللحم الحي للمريض.

بالإضافة إلى ذلك، فإن جودة الدواء أصبحت حلما صعب المنال؛ لأنه منذ أن استولي اليمين على الحكم وشرع في الهرولة نحو صندوق النقد والاقتصاد الحر، وتخلت الدولة عن كل دور كانت تقوم به في عهد عبد الناصر، فإذا كان عبد الناصر قد أنشأ التعليم المجاني والعلاج المجاني، فإن السادات قد أتى على كل ما قام به عبد الناصر، الدولة التي التزمت بكونها المحرك الأول والأساسي للاقتصاد من خلال التخطيط والتنفيذ والرقابة، تخلت عن مسئوليتها، وسلمت قطاعها العام لأبشع عملية نهب تعرضت له مصر منذ عهد إسماعيل: خديوي مصر المأفون.

سلمت الدولة إذن اقتصادها ضمن الأشياء التي سلمتها في تلك الفترة، وانطلق القطاع الخاص يعربد، انطلقت الرأسمالية، بعد أن كبح عبد الناصر جماحها إلى حد بعيد، انطلقت تعوض ما فاتها، انطلقت تبيع لحوم الفقراء المعدمين فوق موائدها، ولئن كانت وقاحة الرأسمالية بادية في كل ما يمس حياتنا، فإن وقاحتها تتخذ منحى بشع حين يتعلق الأمر بصحة الناس.

ومنذ دخل القطاع الخاص سوق الدواء، وتعددت الشركات والمنتجون والمستوردون، ظهرت لعبة الدعاية؛ لأنه إذا كانت في السوق المصرية عشرات الشركات التي تعبئ الباراسيتامول، فإن جهدا يجب أن يبذل على سماسرة الصحة، الأطباء البشريين. وظهرت لعبة الدعاية، والقصص فيها يندي الجبين خجلا، ألم أقل إن عُهر البرجوازية يتجلي بنقاء حين يتعلق الأمر بصحة الناس. الطبيب لم يعد يصف المنتج الأكثر فاعلية، إنه يصف منتج الشركة الأكثر سخاء، ولأنه أعلم الناس بصحة المرضي فإنه يتعامل مع المواطن من وجهة نظر التاجر. منذ أن تدخل من باب عيادته الخاصة إلى أن تخرج، أنت رهينة لبذاءة قطاع الصحة المنظم على النمط البرجوازي.

والحق أقول لكم: إن المؤامرة على الفقراء عميقة. الطبيب والصيدلي شكلوا تنظيما مافياويا لا يخلو من الصراع، الوحدة والصراع. فالصيدلي لم يعد يشبع من التخصيمات، إنه يطمح لقضم كعكة الدعاية، لهذا فإنه بدلا من أن تسعى نقابة الصيادلة للضغط من أجل إعادة هيكلة القطاع كاملا؛ كي يتخلص الصيدلي من مهنة بائع الدواء، ويستعيد مكانته كأعلم أهل الأرض بالدواء من حيث  pharmacologic , pharmacodynamic reactions , metabolism , excretion , etc .  فإن النقابة تقاتل من أجل أن تكتب الروشتة بالاسم العلمي، فالصراع ليس على صحة الناس، بل على كيفية إخضاع جيب المواطن ولمن. إن المريض لا يدفع ثمن إنتاج علبة الدواء فقط، إنه يتحمل عبء الدعاية والتسويق، يتحمل رواتب المكاتب العلمية التي تدار لأجل الشعوذة وإلباس الباطل ثوبا علميا.

وقد كان التخريب الأبشع الذي استهدف صحة المصريين هو تخريب القطاع العام الصحي، تخريب الملاذ الرخيص، ولكن الآمن للمصريين من المرض.

لقد استحدثت في عهد عبد الناصر شبكة تأمين صحي ومستشفيات جامعية وحكومية عامة ضمنت الدولة توفير رعاية صحية متميزة داخلها، ولعل معهد ناصر القابع علي مقربة من النيل أبرز شاهد على ما كان، ولكن الذي حدث أنه تم تخريب التأمين الصحي عمدا، تم تخريب المستشفيات الحكومية جميعها عمدا، وأصبحت مجمعات للموت، أدوات للقتل تُضاف إلى قائمة أدوات القتل التي استحدثتها الرأسمالية في حربها على الفقراء حفاري قبرها.  لعل الاستنساخ أو لعلها وحدة المنهج هي التي حكمت أن القطاع العام الصناعي والصحي والتعليمي تم تخريبه بذات الكيفية ولنفس الغرض:

فالمصانع التي خصخصوها حرموها أولا من المواد الخام، ثم أعلنوا أنها تخسر كل عام، ثم خصخصوها. المدارس والجامعات الحكومية تم سحلها؛ لصالح نظيرتها الخاصة. و المستشفيات الحكومية تُركت نهبا للخراب؛ كي يموت فيها المصريون، ومن ثم يلجأ الناس للمستشفيات الخاصة. و من يلجأ هو القادر، أما الفقير فإنه سيموت في هذا الوطن جهلا ومرضا وبطالة. ففي مصر من لا يملك تتضاءل فرصه في الحياة.

إن الامر واضح للجميع، الحل يراه الكفيف، ما لم تلق مصر بأجندة صندوق النقد تحت حذائها، وما لم تستعد الدولة دورها الاقتصادي و الاجتماعي، ما لم تكن دولة الفقراء، باختصار، ما لم تلق مصر بالبرجوازية في مزبلة التاريخ، فإنه لن يكون هناك مستقبل.

في القطاع الصحي كما في كل القطاعات، يتمثل الحل الجذري ، من وجهة نظر المصالح الشعبية، لا من وجهة نظر الأرباح التي تجنيها الرأسمالية، يتمثل الحل في تأميم ودمج كل ما هو خاص، من شركات الأدوية، ودمجها في كيان خاضع للدولة، الدولة التي يجب أن تسيطر على الأسواق وتطور صناعتها بما فيها صناعة الدواء وتمارس رقابة على الإنتاج، على جودة المنتج الذي ينتج من أجل تلبية حاجة الناس لا من أجل الربح.

الدولة التي يجب أن تطهر مصر من كل ما هو خاص، مستشفيات أو عيادات أو صيدليات خاصة. إن الصيدلية لن تكون سوى منفذ بيع لمنتجات الشركة القابضة، الناتجة عن دمج كل ماله علاقة بصناعة الدواء في مصر، الصيدلية يجب أن تتحول من وكر للارتزاق إلى مكان لتقديم دواء فعال وآمن ومجاني للمريض، مكان يمارس فيه الصيدلي ما يُفترض أنه تعلمه. إن هيكلة قطاع الدواء يجب أن تتم بما يؤدي إلى أن تكون صحة المواطنين هي كل شيء، الصيدلي في الصيدلية موظف يمارس مهمته التي يؤجر عليها من الدولة. بالضبط كما سيكون الطبيب في المستوصف أو المستشفى الحكومي.

إن دولة تقوم بهذا الفعل الثوري، هي دولة ما بعد تحطيم الرأسمالية ثوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصحة, مصر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد