مروان أبو فارة
مروان أبو فارة

للوهلة الأولى قد يبدو عنوان هذا المقال نوعًا من الفكاهة السوداء، إذ لا يُعقل أنّ للانقلابات العسكرية التي مرّت بها منطقتنا فوائد تُرتجى، فلم نجد من الانقلابات على مختلف مسمياتها إلا الخراب والدمار، وتكريس التبعية، ونشر ثقافة الذل والهوان، وزيادة القابلية للاستعباد والاستحمار، ولم تكن أيّ منها على شاكلة الثورة الفرنسية – هذا إذا أردنا الحديث كمثقفي المقاهي البرجوازية- ولا حتى أي نوع من الأنواع المعروفة للانقلاب بهدف التغيير الجارف والملغي لكل أنواع العسف والظلم، إذ يزخر تاريخنا الحديث بالكثير من الانقلابات المكرّسة لحكم الفرد العسكري المصاب بجنون العظمة، حتى وإن تذرّع المدافعون عنه بالمصالح الوطنية العليا – غير المعرّفة إلى الآن- أو إنقاذ الوطن من براثن البرجوازية والإرهاب – غير المعرّف أيضًا إلى الآن- أو حتى التذرّع بالنهضة والتغيير نحو الأفضل للشعب والموارد، وغيرها من ترهات التبرير المشروخة.

لقد أظهر انقلاب العرب على ربيعهم -المفترى عليه- الكثير من التناقض والكثير من الفجوات بين التنظير والواقع، وسقط القناع عن كثير من الوجوه، وغدت المواقف والوجوه والتصريحات سافرة دميمة قبيحة لا ينكرها إلا جاحد، وعلى صعيد الإسلاميين فلقد كان الانقلاب العسكري الغاشم في أرض الكنانة الضربة القاصمة التي أظهرت حقيقة ما يفهمه كلّ فرد من الجماعات الإسلاميّة، وما يعتور ذلك الفهم الفردي من خلل وزلل وخطل -عند بعضهم- وعليه فإنّ الكلام القادم يتعلق فعلًا بما يمكن القول إنّه الفائدة الوحيدة للانقلاب العسكري الغاشم، وربما لا يرضى البعض ويمتعضون من الذي سيقال، لكن يبقى القول إن المواقف في عصر اللامخفي لا يمكن أبدًا إنكارها أو تحويرها.

الفائدة الأولى: تتمثل هذه الفائدة في كشف الخلل العميق عند من لم تكتمل تربيتهم الدعوية، حيث تجدهم أشدّ الناس ألسنة حدادًا على إخوانهم بدعوى أنّ هذا الفريق كانوا أصحاب بصيرة نافذة، وأنّ مخالفة رأيهم جريمة أكبر من جريمة الانقلاب نفسه، فأشهروا ألسنتهم وأقلامهم في وجه دعوتهم، ووجهوا النقد اللاذع والذم المقذع للدعوة ورجالها بحجة النصح، بل تعدى المر ذلك، فصرت تجد أحدهم يبرر لانقلاب العسكري، ويرى أنّ دعوته – قديمًا- كانت وما زالت عاجزة عن تولي زمام الحكم والمضي قدمًا في مشروعها.

وهؤلاء معظمهم من الذين ثقُل عليهم الفهم الصحيح، فانخرطوا في العمل الميداني ليسدوا خلل عقولهم، ويداروا عوار صدورهم، وسمّوا أنفسهم بالبراغماتيين، أو العمليين المقننين للواقع، والمرتكسين معه في كلّ لحظة، ويكفي الانقلاب العسكري أن تكون هذه فائدته الوحيدة، إذ قام الانقلاب بتمحيص الصف أن نفى هذا الخبث وجنده لصالحه في تجلّ واضح للغباء الخادم للعدو، بحجة النصح والوعظ والتوجيه.

الفائدة الثانية: سقوط المبدأ الترقيعي القائل إنّ كلّ عامل للإسلام هو معنا، إذ كان السقوط المدوي للتيار السلفي ومنظريه، وسقوط مشايخ الموضة والبكائيات التجارية، إذ تبين بصورة قاطعة لا رجعة فيها أنّ الذين كانوا يتحدثون عن البطولة والتضحية والإحسان ليسوا أبطالًا ولا من المضحين، وما زلت أذكر ذلك البكّاء الذي كان يدعو لحماية متحف الآثار الفرعونية، ولا يأبه للدماء التي تسفك على مرأى منه.

وهنا يكون القول بأنّ ليس كلّ من يدعي العمل الدعوي حريص على الإسلام والمسلمين، فالإسلام فكرة وعمل، وتنظير ومبادرة وغير ذلك هو تشويه متعمد ليركن الناس إلى الدعة ونعمة الأمن في ظلّ الطاغية، يبحثون عن لقمة العيش، وهم يلتقمون الذلّ، ويصمتون لينجوا وهم غرقى في بحر الاستجداء، ويسبحون بحمد الطاغية وهو يسومهم سوء العذاب، يتخيلونه المنقذ وهو يقودهم إلى الهاوية، ويشرعن وجود ذلك الطاغية في بلادنا كلها مجموعة من مشايخ السلاطين، الذين يصدرون الفتاوى المعلبة والمبتسرة والمشوهة، ويهددون الناس بمستقبل قاتم ومظلم إن رفضوا حكم الطغاة وثاروا.

بل صار الحديث من قبل هؤلاء المفتاتين على الدين والشرع حديثًا تخويفيًّا من مصير الشعوب المنتفضة لنيل حقوقها؛ حتى يركن الشعب إلى الطغاة، ويقبل بإذلاله لهم. ويضاف إلى المتحدث عنهم من المفتاتين، الأحزاب التي تدّعي أنّها تعمل للإسلام وهي تكتفي بالتنظير المجرد، وتمارس التصنيف الفوقي لغيرها، فلقد تبيّن أنّ هذه الأحزاب أشدُّ حقدًا على العاملين للإسلام من معسكر الباطل نفسه.

الفائدة الثالثة: غياب المفاصلة الوجدانية والفعلية سبب رئيس للانقلابات العسكرية في منطقتنا، إذ تجد الكثير من الدعاة يقولون بالوحدة الوطنية والعمل الوطني المشترك، وغيرها من أعشاب الاجترار التي يمجها الساسة وبعض الدعاة الممارسين للعمل السياسي في وجوهنا، فلا يمكن القول بعد حدّة الانقلابات سواء بصورتها الفجة العسكرية الغاشمة أو الناعمة عن طريق السياسة، لا يمكن القول بأنّ العمل مع كلّ الساسة يشكّل نجاحًا أو قدوة تحتذى، بل إنّ هناك فارقًا وبونًا واسعًا بين السياسة القائمة على المصالح المشتركة والسياسة التي تتبناها الدعوة في أدبياتها، فلا يمكن العمل أبدًا مع يساري يرى أنّ طاغية سوريا يدافع عن المجرة، وأنّ روسيا حامية الكون، ومن ثمّ ننخرط معه في عمل سياسي أو نقابي أو اجتماعي، لأنّ أخوة العقيدة لدينا مقدمة، والعمل معه يلغيها ويدخلنا في السياسة المادية القائمة على المصالح، والملغية لكلّ مبدأ وثابت.

وينسحب القول السابق على علماني يمارس التسحيج والتبرير مثل عملية التنفس، يدعم كلّ كاره للإسلام، ويسير في طريق التدجين والتطبيع، ويجمّل الانقلابات ويزينها لأنّه يستفيد منها، فما الذي يجمعنا به؟ فإن قال أحدهم يجمعنا الوطن، فما بال أوطاننا يستبد بها الطغاة وأذنابهم، وأحزابهم، وزبانيتهم؟ وإن قال آخر يجمعنا به المصالح المشتركة، فأين هي تلك المصالح، ومعسكر الباطل الانقلابي يتخّذ الأوطان مزرعة خاصة ويمنعنا من التنفس فيها؟ وإن أضاف آخر يجمعنا به الوقوف في وجه الغرب الإمبريالي، فما بال الغرب الإمبريالي يرمينا عن قوس واحدة، ويمد لغيرنا من سكان أوطاننا يد العون والمساعدة والمشورة والتخطيط؟

ختامًا، إنّ الانقلابات العسكرية ليست بالشرّ المحض أو المطلق، بل هي مرحلة مهمة على طريق الانعتاق من الذل والهوان والدخن الذي يعتري الصفوف، وهي أداة لكشف زيف المنظرين بلا عمل، والمشرعنين لوجود الطغاة بحجة الأمن والأمان ومصالح الأوطان العليا، فبنسبية معينة يشبه الانقلاب حادثة الإفك، لينكشف المنافق، ويظهر المخادع، ويذيل زواله بقوله تعالى: «لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خيرٌ لكم»، والله غالب على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك