قليلون هم – فيما أظن – من كتبوا التاريخ بإخلاص وصدق تامين، ولم يكن غرضهم في ذلك إلا نقل ووصف الأحداث كما وقعت، دونما تحيز إلى فئة أو تحامل على أخرى، وفي ذات الوقت فإن بعضا منهم اختلطت لديهم كتابة التاريخ بأهوائهم ومطامحهم الشخصية، أو بالحقد والكراهية أحيانا، أو يكتبون تحت تهديدات مخابراتية في أحيان أخرى! ولذلك يعمدون في كتابتهم إلى قلب وقائع التاريخ وتغييب الحقائق، إلى الحد الذي أخرجها مسخا مشوها ينتصر لإرادتهم ورغباتهم وحدها!

وكل من يطالع مؤلف نعوم شقير (في تاريخ السودان)، لابد أن يذكر ويتذكر البروفسور محمد إبراهيم أبو سليم – طيب الله ثراه – ليس لأنه من حقق مؤلف نعوم وحسب، ولكن لأن أبو سليم نذر حياته كلها خدمة للسودان وتاريخه، وله جهد كبير ومقدر في ذلك، إذ بلغت مؤلفاته وتحقيقاته اثنين وستين كتابا منها (المرشد إلى وثائق الإمام المهدي) و(الحركة الفكرية في المهدية) و(الآثار الكاملة للمهدي) وهو في سبعة مجلدات و(محررات الخليفة عبد الله) وغيرها، حتى بات هو بنفسه ملكا ونصيبا للسودان كله وليس لدى أهله وأحبابه وعشيرته فقط، مثلما قال رئيس وزراء السودان الأسبق إسماعيل الأزهري – رحمه الله – عندما فاجأ المدعوين – في القصة الطريفة التي تحكي عنه – في الاحتفال الذي أقامه آل محمد أبو سليم احتفاء به، وجلس بينهم في تواضع كبير، لا يختلف كثيرا عمن يجلسون إلى يساره أو يمينه، ومن غير أن يتنبه له أحد بل من غير أن توجه له الدعوة أصلا، وقال كلمته الشهيرة للجمع الذي استولت عليه الدهشة وقتها: «محمد إبراهيم أبو سليم ليس ملككم (بكسر الميم) وحدكم ولكنه ملك السودان كله».

ولأن مؤلف شقير الذي حققه أبو سليم، اشتهر شهرة عظيمة، وتناول تلك الفترة التي تم فيها احتلال السودان وإخماد الثورة المهدية ذات المد الكاسح فيه إذ ذاك، والتي قدر الله لها أن تمتد إلى كافة أنحاء السودان، وأن يبسط الإمام محمد أحمد المهدي ومن بعده خليفته عبد الله التعايشي نفوذهما الكامل، ويوقعا بالمحتل الهزائم النكراء، فقد تعقب أبو سليم شقيرا خدمة للحقيقة، والتزاما منه لجمهور القراء عليه في (نعوم شقير مؤرخا)، لأنه لا يخفي ذلك الاستخفاف والتحامل الظاهرين في ثنايا حديث نعوم عن السودان والسودانيين، والذي استخدمته – ويا للأسف – بعض الأقلام المريضة أحيانا والمأجورة أحيانا أخرى، للتنقيص بل توجيه الإساءة والإهانة لهذا الشعب الطيب، خاصة في الباب الذي سماه نعوم بعنوان (استرجاع السودان)، أظن أن ذلك العنوان ربما يكون من تهديد مخابرات الجيش الإنجليزي الذي فقد اثنين من أعظم قواده في السودان، وهما غوردون وهكس باشا الذين احتز الأنصار رأسيهما في حصار الخرطوم وموقعة شيكان. ومع هذا فإن محمد أبو سليم يؤكد أن لفظ (استرجاع السودان) هو لفظ كريه ابتدعته المخابرات لتبرير غزو السودان في ذلك الوقت، وأن نعوما لم يعرف السودانيين عن كثب، ولا خبرهم بشكل مباشر، وإنما عرفهم بوحي ما قرأ، وما سمع والقليل الذي رأى، وقد كانت نظرته عموما نظرة متعالية، نظرة متحضر في قوم غير متحضرين وهي نظرة ورثها عن جاليته، ومن المخابرات التي ظلت تعكس أحوال السودان بلون مغرض. رحم الله محمد إبراهيم أبو سليم فقد كان محاربا قويا في ساحات التاريخ، ومخلصا للحقيقة ولأمته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- كتاب (أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان) محمد إبراهيم أبو سليم
2- كتاب (تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته) نعوم شقير.
3- الموقع الرسمي للبروفسير محمد إبراهيم أبو سليم
عرض التعليقات
تحميل المزيد