تصدير: «إنّني مستعد لقضاء بقيّة حياتي في قفص، ولا آكل سوى الخبز والزيتون، إذا أتاح ذلك للتونسي أن يلبس شاشيّته بعزّة وكرامة». – المنصف باي

فترة قاتمة تلك التي سبقت اعتلاء المنصف باي لعرش تونس في 19 يونيو/ جوان 1942، فسلفه أحمد باي الثاني الذي طالت فترة حكمه أكثر من عقد كان خانعًا لسلطة المستعمر الفرنسيّ، مجافيًا لتطلّعات الشعب ونشطاء الحركة الوطنيّة. حتّى الحركة الوطنيّة في ذلك الوقت كانت تعرف أزمة كبيرة، فقد أضناها انشقاق الحزب الحر الدستوري الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة ومحمود الماطري، عن الحزب الدستوري (القديم) في 2 مارس 1934، وما تبعه من مواجهات عنيفة ودمويّة بين الجانبين. ولم يكن لعودة مؤسس الحزب الدستوري عبد العزيز الثعالبي في 1937، بعد غياب طويل، أن تلمّ الشمل فـبورقيبة لم يكن راغبًا في التخلّي عن ما اكتسب من صلاحيّات. وبلغت الأزمة بين الحزبين منعطفًا خطيرًا عندما أرسل بورقيبة ناشطين من الحزب الجديد لتخريب اجتماعات الحزب القديم، إذ خلّفت المواجهات بين الطرفين في ماطر يوم 25 سبتمبر 1937، قتيلًا و14 جريحًا، ثم في باجة يوم 2 أكتوبر، أسفرت عن قتيل و4 جرحى.

عاود بورقيبة رصّ صفوف الحزب الجديد بتأجيج الرأي العام ضدّ المستعمر الذي من جهته زاد بأسلوبه القمعي حالة الاحتقان بعد قتل 7 متظاهرين وجرح في بنزرت يوم 8 يناير/ جانفي 1938، ومنع الزعيم علي البلهوان من التدريس بالمعهد الصادقي في 22 مارس على إثر ما قام به من تجييش، ثم اعتقال قياديين في الحزب يوم 3 أبريل/ أفريل. أمرٌ جعل الحزب يتّجه نحو التصعيد ليشهد يوم 8 أبريل/ أفريل إضرابًا عامًا، ومظاهرة حاشدة في العاصمة، غاب عنها بورقيبة فيما قادها علي البلهوان والمنجي سليم ومحمود الماطري، وتمّ رفع مطالب بحكومة وطنية وبرلمان تونسي. وأمام نية معاودة التظاهر اشتغلت آلة القمع المتوحشة للمستعمر باستعمال الذخيرة الحيّة، فكانت حصيلة الضحايا (الرسميّة) ثقيلة يوم 9 أبريل/ أفريل بـ 21 قتيلًا و150 جريحًا بينهم 3 أطفال. وفي اليوم الموالي تم اعتقال بورقيبة وثلّة من قياديي الحزب الدستوري الجديد. لتبدو تونس بعد ذلك وكأنّها رضخت لمصيرها بين براثن المستعمر.

بعد أشهر من اندلاع الحرب العالميّة الثانية، مثّل خبر سقوط باريس بسهولة في يد الألمان خبرًا سارًّا للتونسيّين، وقال بعضهم خلال هذه الفترة: «الشيطان ولا هم». بعد ذلك بسنتين اعتلى المنصف باي سدّة الحكم، وكان مدركًا أن وضع المستعمر اختلف. فسعى سريعًا لرأب الصدع بين القصر والشعب، حيث قام بتوزيع قسم كبير من أقمشة وملابس وحلويّات على الفقراء بعد أن كان سلفه يخزّنها تجهيزًا لاحتفال زواج ابنه، كما ألغى عادة تقبيل اليد، واستقبل الشخصيّات الوطنيّة، وعمل على الاحتكاك أكثر بالشعب، وكثّف زياراته للأسواق والمدارس والجوامع والمقامات، وأبدى نيّة بزيارة أماكن داخل البلاد في سابقة بالنظر لأسلافه، وإن حالت الظروف دون ذلك. وقد استقبل في شهر أغسطس/ أوت ممثّلين عن الحزبين الدستوريين (الذين تمّ حلهما وقتها)، وطالبهما بتوحيد الصفوف.

وقد قدّم المنصف باي مذكّرة مطالب للمقيم العام إستيفا بغرض رفعها إلى حكومة فيشي، وقتها حوت 16 نقطة أراد من خلالها العودة إلى بنود معاهدة الحماية، وإنشاء مجلس تشريعي تكون فيه التمثيليّة التونسيّة لائقة وكثيفة، إلى جانب مطلب إجباريّة التعليم، والمساواة بين الفرنسيين والتونسيين في المرتبات والمعاملة وسلّم ارتقاء الوظائف العامّة. وقد عبّر، في حادثة عيد الفطر يوم 12 أكتوبر، عن شديد انزعاجه من عدم وجود موظّفين تونسيين في درجات عليا. كما طالب المنصف باي بإطلاق سراح المساجين السياسيّين، وكانت الحكومة الفرنسيّة قد نقلت قياديي الحزب الدستوري الجديد بمن فيهم الحبيب بورقيبة، ومحمود بورقيبة، وصالح بن يوسف، وغيرهم إلى مارسيليا في مارس 1940 بغرض محاكمتهم عسكريًّا.

ولم تكلّل جهود المنصف باي لتحرير المساجين السياسيّين بالنجاح إلّا بعد دخول الألمان إلى تونس في نوفمبر 1942، إذ وجّه طلبه إلى القيادة الألمانيّة وتمّت الاستجابة له بالنسبة لمساجين مارسيليا في 20 نوفمبر، لكنّهم لن يعودوا إلى تونس إلّا في فبراير/ فيفري 1943 باستثناء الحبيب بورقيبة الذي عاد في 8 أبريل/ أفريل، أمّا المعتقلون في تونس فتمّ الإفراج عنهم في 1 ديسمبر 1942، واستقبلهم الباي.

وفي سابقة اكتست جرأةً وخطورة، قام المنصف باي في غرّة يناير/ جانفي 1943 بتشكيل حكومة جديدة دون إعلام المقيم العام. وكانت حكومة ثوريّة خرجت عن المألوف، إذ لم يكن أعضاؤها من الوسط المخزني؛ بل من ناشطي الحركة الوطنيّة، حيث ضمّت صالح فرحات (دستوري قديم) وزيرًا للعدل، ومحمود الماطري (دستوري جديد) وزيرًا للداخليّة، وترأسها محمّد شنيق (مستقلّ). خطوةٌ وإن مثّلت تحدّيًا للمستعمر الفرنسي، ولحُمةً بين القصر والحركة الوطنيّة، وبين التيارين الفاعلين في الحركة الوطنيّة، إلّا أنّها خلقت لاحقًا احتقانًا في أوساط قواعد الحزب الدستوري الجديد إذ لم تستحبّ الحظوة التي اكتسبها الحزب القديم، حتّى إنّه راج حديث عن نيّة انقلاب من طرفهم باستغلال المظاهرات المزمعة في 9 أبريل/ أفريل لاحتلال دار الباي بالقصبة، وتعيين بورقيبة وزيرًا أكبر.

اللّقاء

في هذا الظرف كانت عودة بورقيبة إلى تونس في 8 أبريل/ أفريل، وقد سارع بالتوجّه إلى حمّام الأنف ولقاء المنصف باي الذي خصّه مع أفراد حكومته باستقبال حار، إذ دخل بورقيبة على المنصف باي وهمّ بتقبيل يده لكنّ هذا الأخير منعه، وصافحه قائلًا: «نحب إيدي في إيدك باش نمشيو لقدّام». وبيّن بورقيبة دعمه ودعم الحزب للمنصف باي. وقد تحدّثا عن الضغوط التي واجهاها من طرفي النزاع العالمي، وكان الباي وقتها يلزم الحياد بحكم منصبه، فيما بورقيبة يوالي الحلفاء. ورغم الإيجابيّة التي كست اللقاء، فقد تلته حملة صحفيّة تهاجم وزارة شنيق، وتساند ترشيح بورقيبة لترأّس ما سمّي بـ «وزارة وحدة وطنيّة كبرى»، ما جعل المنصف باي يرفض في موفّى أبريل/ أفريل استقبال وفد من الحزب الجديد.

عقب ذلك بفترة قصيرة كان انتصار الحلفاء و«تحرير تونس»، ولم يلبث المستعمر الفرنسيّ أن لفّق تهمة التعاون مع الألمان للمنصف باي بقصد التخلّص من رجل أحدث تغييرًا مقلقًا في وقت قصير، وتمّ خلعه ونفيه يوم 14 مايو/ ماي إلى الأغواط بالصحراء الجزائريّة، التي قاسى فيها العزلة والحرّ حتّى قبل التنحّي عن العرش، ليتمّ نقله إلى تنس شمال الجزائر، ثم إلى بو في فرنسا. ومن هنا نشأت الحركة المنصفيّة بعد أيّام من الخلع والنفي، حيث مثّل المنصف باي بتضحيته الرمزَ الوطني الذي التف الطيف السياسي حول مطلب إعادته، وجمعت هذه الحركة الحزبين الدستوريّين القديم والجديد والزيتونيين وغيرهم، عدا الحزب الشيوعي.

ويُذكر هنا أن تونس عانت وقتها أبشع أنواع القمع والتنكيل والمذابح على يد فرنسا والحلفاء، انتقامًا مما كان للتونسيين من تعاطف مع الألمان، حيث تذكر إحصائيّة في محضر لجنة التحرير الفرنسيّة بالجزائر أنّه تمّ اعتقال 9536 تونسيًّا في شهر مايو/ ماي، وإعدام 154 منهم، وإيداع 3000 منهم السجون والمحتشدات، إلى جانب حوادث إعدام ميداني عديدة.

في ذلك الوقت دعا الحبيب بورقيبة إلى «كتلة فرنسيّة- تونسيّة» قائلًا بأنّه ما من نجاح ممكن دون فرنسا، قام بجولات في البلاد للتحدّث عن وجهة نظره ومحاولة «استئصال الفيروس النازي من رؤوس التونسيين»، لكنّ النتائج كانت مخيّبة. وقد اختار بورقيبة مغادرة تونس في 1 أبريل/ أفريل 1945، واستقرّ بالقاهرة للتعريف بالقضيّة التونسيّة.

أمّا الحركة المنصفيّة فقد تبلورت مطالبها أكثر لينتج عنها مؤتمر ليلة القدر في 23 أغسطس/ أوت 1946، والذي رفع مطلب عودة المنصف الباي، ولأوّل مرّة مطلب الاستقلال عن فرنسا.

الرسالة

لدى بلوغه القاهرة، وجد الحبيب بورقيبة صعوبة في التواصل مع الأطراف الفاعلة إذ لم يكن ذا إشعاع، فقام الحبيب ثامر بإرسال رسالة إلى المنصف باي في بو، حتّى يتبنّها ويرسلها إلى بورقيبة، رسالة كان فحواها تبيان الدور المهم لبورقيبة وإضفاء الشرعيّة عليه. وبالفعل قام المنصف باي بإرسال هذه الرسالة التي فتحت الآفاق أمام بورقيبة، فبعد نشرها بأسبوعين استقبله الملك فاروق، ثم توالت التحرّكات.

وكان بورقيبة من جهته يوجّه الرسائل إلى المنصف باي، حيث في إحدى رسائله إلى كمال بورقيبة (ابن أخيه) في 1 يوليو/ جويلية 1946 كان يطلب منه إيصال رسالة مرفقة إلى المنصف باي معها علبتا سجائر وكيلو حلوى ملبّس وكيلو شكولاتة.

الاتّصال الهاتفي

كان ذلك في موفّى فبراير/ فيفري 1947، حيث توقّف بورقيبة بجينيف في طريق عودته إلى القاهرة بعد أن أبلى البلاء الحسن خلال الدورة الثانية للجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بشرح المطالب التونسيّة، دون أن يظهر خطابًا متشنجًا تجاه فرنسا، وكان أهمّ اللقاءات جمعه بـدين أتشيسن كاتب الدولة المساعد في 15 يناير/ جانفي، وذلك بترتيب من الأمير فيصل في السفارة السعوديّة. خبر المقابلة لاقى استحسانًا في تونس واحتجاجًا وغضبًا في فرنسا. وفي طريق العودة، بجينيف اتصل بورقيبة بالمنصف باي الذي أجابه بحماس، وهنّأه وعبّر عند دعمه له.

كان الوضع في تونس يعرف احتقانًا كبيرًا، حيث واصلت فرنسا نهجها القمعي الدموي. وإزاء تواصل التوتّر، لأن الموقف الفرنسي بشأن إعادة المنصف باي إلى تونس، لكن المنيّة وافته بمنفاه بـبو في غرة سبتمبر 1948. وتمّت إعادة جثمانه إلى تونس. كانت جنازة هذا الباي الوطني مهيبة يوم 5 سبتمبر، إذ توافد التونسيّون من جلّ أرجاء البلاد لحضورها. في صباح اليوم التالي، ووري الثرى بمقبرة الجلّاز  كما أوصى. ومثّل ضريحه مزارًا للتونسيين طوال أسابيع وأشهر.

أمّا الحبيب بورقيبة فقد تأزمت علاقته بالمحيطين به في لجنة تحرير المغرب العربي إذ في مستهلّ 1948 تمّ توجيه الاتهام له من طرف الحبيب ثامر بسوء التصرّف المالي؛ ما أدّى لاحقًا إلى سحب مسؤوليّة التصرف المالي من بورقيبة، وتدخّل سليمان بن سليمان الموفد من الحزب الدستوري الجديد لحلحلة الأمور، حيث وجّهت تهمة التلاعب إلى آخرين. لكن عاد التأزم من جديد في مايو/ ماي، إذ اتهم رئيس اللجنة الأمير عبد الكريم الخطابي بورقيبة بالاحتفاظ لنفسه بأموال أرسلها الملوك العرب، ورفَته من منصب الأمانة العامة. وبقيت العلاقة سيئة بين الرجلين حتّى عودة بورقيبة إلى تونس في 8 سبتمبر 1949.

زيارة الضريح

في يوم عودته زار الحبيب بورقيبة ضريح المنصف الباي، مترحّمًا على رجلٍ صار يعتبر الشهيد الأكبر للقضيّة التونسيّة، وراكبًا موجة الحركة المنصفيّة، ومكتسبًا الشرعيّة منها، وكان قبل رحيله إلى مصر قد التقى محمّد شنيق الذي حاول إقناعه بوجهة نظر المنصفيين، فبيّن بورقيبة أنّه مقتنع وأنّه منصفيّ أكثر من كلّ قادة الحزب الدستوري الجديد.

التنكّر

على إثر استقلال تونس في 20 مارس 1956، وإطاحة النظام الملكي وإعلان الجمهوريّة في 25 يوليو/ جويلية 1957. تولّى الحبيب بورقيبة رئاسة تونس، وتنكّر لتاريخ المنصف باي وغيّبه، بل لم تحمل أي مؤسسّة تعليميّة على الأقلّ اسمه، وهو الذي حمل وتبنّى مطلب إجباريّة التعليم. وحدث أن هاجم الحبيب بورقيبة المنصف باي في محاضرته بمعهد الصحافة في 23 نوفمبر 1973، حيث قال: «على أن البايات كانت تعزوهم قوّة الشخصيّة وبعد النظر… وسار المنصف باي مع إستيفا سيرة آبائه وأجداده مع الفرنسيين».

كان المنصف باي ينوي إعلان الجمهوريّة لدى عودته إلى تونس، هكذا قال أحمد بن صالح، فقد صرّح له بهذا الأمر بحماس في ثلاث مناسبات. لكن وافاه الأجل المحتوم قبل العودة، ليكون هذا الإعلان من نصيب بورقيبة الذي أطاح أطياف المعارضة وأسّس لنظام استبداديّ قمعيّ بقي على رأسه طيلة 30 سنة، واستمرّ 23 سنة أخرى مع خلفه زين العابدين بن علي الذي انقلب عليه في 7 نوفمبر 1987.

المراجع:
*المنصف باي (سعيد المستيري)
*Sur Moncef bey et le Moncefisme (جولييت بسيس)
*Histoire du mouvement national tunisien – documents 10
* Mahmoud El Materi, pionnier de la Tunisie moderne (أنيسة الماطري حشاد)
*محاضرة الدور الوطني للمنصف باي (عبد الجليل التميمي + شهادة أحمد بن صالح)
*وثائقي: المنصف باي.. نهاية عرش

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد